لو فتحنا نافذةً على أحد أسواق دمشق الأموية، لرأينا القوافل تتوافد، والتجار يعرضون الحرير والديباج والكتان، ونساءً يعبرن الأزقة بأثواب تكشف ألوانها وزخارفها عن مدينة التقت فيها حضارات متعددة. وتروي هذه الأزياء جانبًا من تاريخ دمشق، مثلما تروي ازدهار تجارتها واتساع صلاتها بالعالم.
حين دخل الخليفة معاوية بن أبي سفيان دمشق، واتخذها عاصمةً للدولة الأموية سنة 41هـ/661م، دخلت مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، مع استمرار دورها الحضاري الذي رسخته عبر قرون طويلة. فمنذ العصور القديمة شكّلت محطة رئيسة على طرق التجارة وملتقى للشعوب والثقافات القادمة من الشرق والغرب، ثم جاءت الدولة الأموية لتمنحها مكانة العاصمة التي تُدار منها واحدة من أكبر الدول في ذلك العصر.
وازدهرت الحركة التجارية، فكانت القوافل تصل من مصر واليمن والعراق وفارس وآسيا الوسطى، وترسو في موانئ بلاد الشام بضائع البحر المتوسط القادمة من القسطنطينية والإسكندرية، فتجتمع في أسواق دمشق أقمشة الحرير الصيني، والكتان المصري، والديباج الفارسي، والزجاج الشامي، والعطور العربية، والشرقية، فجاءت هذه التجارة محمّلةً بثقافات أهلها الميزة وبتقاليد نسيجية وأساليب زخرفة فريدة.
ومن هنا يغدو لباس المرأة مدخلًا لقراءة التاريخ الاجتماعي والثقافي لدمشق، وتفاصيل الحياة التي ازدهرت في العهد الأموي.
وتقود هذه الصورة إلى السؤال الأهم: كيف انعكست مكانة دمشق في أزياء نسائها؟

ورث الأمويون بلادًا كانت جزءًا من الإمبراطورية البيزنطية، وحمل العرب معهم عادات الجزيرة العربية، كما وصلت إلى دمشق تأثيرات فارسية قوية بعد فتح العراق وإيران. ثم أعاد الأمويون صوغ هذه المؤثرات داخل هوية عربية إسلامية جديدة، فلم يكن لباس المرأة الدمشقية عربيًا خالصًا، ولا بيزنطيًا، ولا فارسيًا، بل مزيجًا متوازنًا من هذه العوالم الثلاثة. ويظهر ذلك بوضوح في الرسوم الجدارية الباقية في القصور الأموية، وفي أوصاف المؤرخين، والمنسوجات التي وصلت إلينا من القرنين الأول والثاني الهجريين.
شهدت ملابس النساء تنوعاً في القطع والقماش والزخارف والألوان:
كان القميص، أو الدرع كما تسميه بعض المصادر، أساس لباس المرأة الدمشقية. وهو ثوب طويل واسع يصل إلى الكاحلين، بأكمام طويلة تمنح حرية الحركة، ويختلف طوله واتساعه تبعًا للمكانة الاجتماعية. وخيطت أثواب الحياة اليومية من الكتان أو القطن، في حين ارتدت نساء الأسر الثرية، وبنات كبار التجار، ونساء البلاط، الحرير والديباج. ثم زُخرفت بعض هذه الأثواب عند الياقات والأكمام خصيصاً بخيوط الذهب والفضة بزخارف نباتية وهندسية، بينما تراجع حضور الرسوم البشرية مع انتشار الثقافة الإسلامية. كما استخدمت بعض النساء أحزمة قماشية أو جلدية رفيعة تربط عند الخصر، فتمنح الثوب توازنًا وأناقة، خاصة في المناسبات.
السراويل… إرث فارسي أصبح شاميًا:
كما ارتدت النساء سراويل واسعة تحت القميص، تمنح راحة أثناء الحركة والعمل والسفر. وقد دخل السروال إلى بلاد الشام عبر التأثير الساساني قبل الإسلام، ثم أصبح قطعة مألوفة لدى الرجال والنساء معًا. وصُنعت السراويل عادة من الكتان أو القطن، بينما استخدم الحرير لدى الطبقات الميسورة، حتى غدت مع مرور الزمن جزءًا ثابتًا من اللباس الإسلامي في معظم المدن الكبرى.
وحين تغادر المرأة بيتها، يكتمل لباسها برداء خارجي ينسدل فوق القميص والسروال، بأسماء متعددة مثل الجلباب، أو الملحفة، أو العباءة، تبعًا للعادة الاجتماعية والمناسبة، وجمع هذا الرداء بين وظيفته العملية في الحماية من الغبار وتقلبات الطقس، وتحقيق الاحتشام الإسلامي للمرأة.
أما الشعر فكان يُغطي بالخمار، وهو جزء أصيل من لباس المرأة الدمشقية، ويتكون من قطعة قماش طويلة تمتد في كثير من الأحيان إلى الكتفين أو أعلى الصدر. وتكشف الرسوم الجدارية الأموية، إلى جانب أوصاف المؤرخين، تنوعًا في طرق لفه وارتدائه، مع اختلافات ارتبطت بالعمر، والمكانة الاجتماعية، وطبيعة المناسبة، أما تغطية الوجه بالكامل "النقاب" نمطاً سائداً لدى جميع النساء، بل ارتبط بعادات بعض البيئات والأسر، ولا يمكن تعميمه على جميع نساء دمشق.
وأضفت الألوان حضورًا خاصًا على الأزياء الدمشقية، فقد عرفت الأقمشة درجات متعددة من الأبيض، والأحمر القرمزي، والأزرق النيلي، والأخضر، والأصفر الزعفراني. واستخرجت هذه الألوان من أصباغ طبيعية، وكان الحصول على بعضها مؤشرًا على الثراء؛ فاللون الأرجواني احتاج إلى أصباغ بحرية نادرة، واستخرج اللون الزعفراني من نبات الزعفران، أما الأزرق فمن نبات النيلة، ووصلت بعض هذه الأصباغ عبر الطرق التجارية التي ربطت دمشق بمصر وفارس واليمن وبلاد البحر المتوسط.
ونال تطريز الأقمشة عناية بالغة، فازدانت الياقات، والأكمام، وأطراف الثياب بزخارف نباتية وهندسية دقيقة، نُفذت بخيوط الحرير، كما استخدمت خيوط الذهب والفضة في الأثواب الفاخرة. ويكشف هذا الإتقان عن المستوى الذي بلغته ورش النسيج في دمشق والتي أسهمت في إنشاء مهنة "الطّراز" التي انتشرت في العالم الإسلامي فيما بعد.
واحتلت الحلي مكانة موازية للثياب، إذ عبرت عن المكانة الاجتماعية والقدرة الاقتصادية. فارتدت النساء الأقراط الذهبية، والعقود المرصعة، والأساور، والخلاخل، والخواتم، بينما استخدمت النساء الأقل ثراءً الفضة أو النحاس أو الزجاج الملون. وتشير المصادر إلى انتشار اللؤلؤ القادم من الخليج العربي، والعقيق اليماني، والفيروز القادم من خراسان، وهي أحجار زادت من تنوع الزينة في المجتمع الدمشقي.

ولم يقتصر الاهتمام على الثياب والحلي، بل امتد إلى العطور وأدوات الزينة، فاستُخدم المسك، والعنبر، ودهن الورد، والياسمين، والبنفسج، إلى جانب الكحل، والحناء، والزيوت الطبيعية للعناية بالشعر والبشرة. وشكلت هذه العناصر جزءًا من ثقافة الاعتناء بالمظهر والنظافة الشخصية في المجتمع الأموي.
ورغم اشتراك النساء في الملامح الأساسية للباس، فإن جودة الأقمشة، وكثافة التطريز، ونوع الحلي، كانت تعكس الفروق الاقتصادية والاجتماعية. فسيدة في قصر الخليفة قد ترتدي ثوبًا من الحرير المطرز بخيوط الذهب، بينما ترتدي امرأة تعمل في أحد أسواق دمشق ثوبًا قطنيًا بسيطًا يخلو من الزخارف. ومع هذا التفاوت، بقي القميص، والسروال، والخمار، والرداء الخارجي، القوام الرئيس للباس المرأة الدمشقية.
وتمنحنا الرسوم الجدارية والزخارف الأموية في قصر عمرة وخربة المفجر، نافذة بصرية على أزياء ذلك الزمن. فهي تُظهر نساءً يرتدين أثوابًا طويلة مزينة، بأكمام واسعة، وألوان متنوعة، مع حلي وشعور مرتبة بعناية. ورغم أن هذه المشاهد تعكس في الغالب البيئة الأرستقراطية، فإنها تقدم صورة مهمة عن الذوق الفني السائد، وتكشف تنوع الأزياء ورقي صناعتها.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، لم تعد تلك الأثواب حاضرة بين أيدينا، لكن آثارها ما تزال موزعة بين الرسوم الجدارية، والمنسوجات الباقية، ووصف المؤرخين. ومن خلال هذه الشواهد نستطيع أن نرى دمشق الأموية كما رآها أهلها يومًا؛ مدينة تنسج الحرير كما تنسج حضارتها، وتحفظ في ثياب نسائها قصة مدينة كانت قلب العالم الإسلامي، وملتقى طرقه وثقافاته.

