في سوريا الجديدة، أين هم علماء النفس وعلماء الاجتماع اليوم؟ اليوم يومكم بامتياز.
تنشغل الدول الخارجة من الثورات عادة بإعادة إعمار الطرق والجسور والمباني، وبإعادة تشكيل مؤسسات الدولة واقتصادها. لكن التجارب العالمية تؤكد أن أصعب عملية إعادة إعمار ليست عمرانية ولا سياسية، بل هي إعادة بناء سلوك المجتمع.
اليوم، تقف سوريا أمام هذه المهمة التاريخية.
فبعد عقود الاستبداد، ثم سنوات الثورة، لم يعد التحدي الأكبر هو بناء الوزارات أو إصدار القوانين فقط، بل بناء ثقافة جديدة تقوم على احترام القانون، والالتزام بالنظام، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية.
إن الدولة الحديثة لا تقوم على كثرة القوانين، بل على استعداد المواطنين لاحترامها طوعًا.
الانضباط السلوكي هو الأولوية
لعل أهم مشروع وطني نحتاجه اليوم بعد الثورة هو مشروع الانضباط السلوكي.
الانضباط السلوكي الذي يشمل:
احترام القانون حتى في غياب الرقابة.
رفض الواسطة والمحسوبية باعتبارهما اعتداءً على حقوق الآخرين.
احترام الممتلكات العامة.
الالتزام بقواعد المرور والنظام العام.
تقبل المساواة أمام القانون، سواء كان الحكم لصالحنا أو ضدنا.
فالحرية لا تعني غياب النظام، بل تعني وجود نظام يحمي الجميع دون استثناء.
هذه ليست مهمة الوعاظ على المنابر... بل مهمة العلماء في المخابر
ربما يعتقد كثيرون أن تغيير السلوك يتحقق بالخطب والمحاضرات أو بالدعوات الأخلاقية وحدها.
العلوم الإنسانية الحديثة تقول غير ذلك.
فإعادة تشكيل السلوك المجتمعي هي عملية علمية تقوم على البحث والتجريب والقياس، ويقودها ويخوض غمارها علماء النفس وعلماء الاجتماع والمتخصصون في السلوك الإنساني والاتصال الجماهيري.
تمامًا كما تعتمد وزارة الصحة على الأطباء، ووزارة الأشغال على المهندسين، فإن بناء مجتمع متماسك يحتاج إلى علماء يدرسون الإنسان نفسه، فأين هم اليوم؟
ماذا ينبغي أن يفعل علماء النفس؟
تتمثل مهمتهم الأولى في فهم الحالة النفسية للمجتمع السوري بعد سنوات الثورة.
ما مستوى الثقة بين الناس؟
ما حجم الخوف الذي ما زال يحكم السلوك؟
كيف ينظر المواطن إلى مؤسسات الدولة؟
لماذا يلجأ إلى الواسطة؟
لماذا يتقوقع داخل طائفته أو عشيرته؟
ما الذي يجعله يحترم القانون أو يتجاوزه؟
لا يجوز أن تكون الإجابات مبنية على الانطباعات، بل على دراسات ميدانية واستطلاعات رأي وأبحاث علمية تمثل مختلف المحافظات والفئات العمرية.
كما ينبغي تصميم برامج لمعالجة آثار الصدمات النفسية، وتعزيز الشعور بالمسؤولية، وتنمية الثقة بالمؤسسات الجديدة.
وماذا عن علماء الاجتماع؟
يهتم علماء الاجتماع بالسلوك الجماعي أكثر من اهتمامهم بالفرد.
إنهم يدرسون أسباب انتشار بعض الظواهر، مثل المحاباة، وضعف الثقة بالمؤسسات، والانقسامات الاجتماعية، ونظرة الناس إلى السلطة والقانون.
كما يقيسون مدى نجاح السياسات الحكومية في تغيير السلوك، ويقدمون توصيات مبنية على الأدلة، لا على التخمين.
لا يكفي أن تطلق الدولة حملة إعلامية تدعو إلى احترام النظام، بل يجب أن تعرف أولًا لماذا لا يحترمه بعض المواطنين، وما الوسائل الأكثر تأثيرًا في تغيير هذا السلوك.
نحتاج إلى "المرصد الوطني للسلوك المجتمعي"
من أهم المشاريع التي يمكن أن تطلقها الدولة إنشاء مركز وطني يضم خبراء ومختصين في علم النفس والاجتماع والإحصاء والإعلام والتربية، تكون مهمته دراسة التحولات السلوكية في المجتمع السوري بصورة مستمرة.
يقيس هذا المرصد مؤشرات مثل:
مستوى الثقة بين المواطن والدولة.
مستوى الثقة بين المواطنين أنفسهم.
انتشار الواسطة والمحسوبية.
احترام القانون.
الشعور بالانتماء الوطني.
تقبل الاختلاف.
انتشار الفكر الطائفي أو الإقصائي.
فما لا يمكن قياسه، لا يمكن تطويره.
التعليم والإعلام شريكان في التغيير
بعد أن يحدد الباحثون طبيعة المشكلة، يبدأ دور المدرسة والإعلام.
فالمدرسة تغرس السلوك منذ الطفولة، من خلال الممارسة اليومية قبل الكتب المدرسية.
أما الإعلام، فلا ينبغي أن يكتفي بنقل الأخبار، بل عليه أن يقود حملة وطنية طويلة الأمد لترسيخ قيم المواطنة والانضباط والمسؤولية.
نحتاج إلى برامج تلفزيونية، وأفلام قصيرة، ورسائل توعوية، ومحتوى رقمي، وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي، تقدم للمواطن نموذجًا إيجابيًا يحترم القانون، وتوضح أن الواسطة، مثلًا، ليست ذكاءً، بل ظلم، وأن احترام النظام ليس ضعفًا، بل حضارة.
كما ينبغي أن تتوقف الدراما والإعلام عن تمجيد الشخصية التي تتحايل على القانون أو تعتبر مخالفة الأنظمة نوعًا من الشطارة.
نجاح الثورة لا يقاس بإسقاط النظام فقط
لقد نجحت الثورة، والحمد لله، في إنهاء حكم الديكتاتورية وسلطة الخوف والفساد، لكن نجاحها الحقيقي يبقى رهنًا بقدرتها على بناء إنسان جديد يؤمن بأن القانون فوق الجميع، وأن المصلحة العامة لا تقل أهمية عن مصلحته الخاصة.
فسوريا الجديدة لن تُبنى بالمشاريع العمرانية وحدها، بل ستُبنى عندما يصبح احترام القانون عادة، والنظام قيمة، والنزاهة ثقافة، والمواطنة سلوكًا يوميًا.
