يعود الأب إلى وطنه، ويصل إليه ابنه للمرة الأولى
«بابا لماذا تقول إننا عدنا، وأنا آتي إلى هنا للمرة الأولى؟» قالها وهو يلتصق بنافذة الطائرة، يراقب الأرض تكبر تحتنا، والبيوت المتراصة تظهر شيئًا فشيئًا من بين غبار الصيف. كنت قد قلت له قبل لحظات، بحماسة لم أستطع إخفاءها: «وصلنا أخيرًا... عدنا». التفت إليّ وسأل سؤاله البسيط، لكن بعض أسئلة الأطفال لا تكون أسئلة فعلًا... تكون مرآة يضعونها فجأة أمام الكلمات التي أمضينا أعمارنا نرددها من دون أن نتوقف عند معناها. أنا عدت... أما هو، فقد وصل.
وطن ورثه في الحكايات
وُلد ابني في الغربة. فتح عينيه في مدينة بعيدة، تعلّم المشي فوق أرصفة لا تعرف حجارتها طفولتي، وتحدث لغة كنت أحتاج إلى التفكير قبل أن أنطق كلماتها. أما سوريا، فقد عرفها مني. عرفها من الصور المعلقة في البيت، ومن أسماء الأقارب الذين يظهرون على شاشة الهاتف، ومن الأغاني القديمة التي كنت أشغّلها صباح يوم العطلة. عرفها من أكواب الشاي التي تطول حولها أحاديث الكبار، ومن الجملة التي كانت تتكرر كلما تذوقنا طعامًا، أو شممنا رائحة، أو صادفنا شخصًا يشبه ما تركناه هناك: «عنا بسوريا...». كانت سوريا بالنسبة إليه بلدًا يبدأ دائمًا بهذه العبارة. بلد تسكنه جدة تقبّل شاشة الهاتف، وأقارب يعرفون عنه كل شيء وهو لا يعرف حتى أسماءهم... وكان يسألني قبل الرحلة: «هل بيتنا هناك كبير؟». أفكر في الإجابة... أي بيت يقصد؟ بيت العائلة الذي غادرته منذ سنوات ثم اندثر وانتقل من بقي هناك إلى مكان غريب؟ أم البيت الذي ظللت أبنيه له في الحكايات؟ أم ذلك الوطن الكامل الذي اختصرناه في كلمة واحدة، ثم طلبنا من أطفالنا أن يشعروا نحوه بما نشعر؟
الأشياء التي رآها للمرة الأولى
خرجنا من المطار، فضربنا هواء دمشق الدافئ... آه يا شام. تنفسته كما يتنفس الغريق بعد وصوله إلى السطح. كان الهواء محملًا بالغبار ورائحة البنزين وشمس تموز، لكنه دخل صدري كشيء أعرفه عز المعرفة، كأن جسدي تذكره قبل أن أتذكره أنا، فذاكرة الجسد لا تُمحى. في الطريق، بدأت أشير إلى كل شيء بحماسة دليل سياحي يشرح مدينة لزائر مهم: «شوف... هون كانت مدرستي... وهنيك كان في محل بوظة بدي آخدك عليه... وهذا الطريق بيودي ع بيت جدك». كان ينظر من النافذة إلى السيارات المتداخلة، وإلى الناس الذين يعبرون الشارع من أماكن لم يتوقعها، وإلى الدراجات التي تظهر فجأة ثم تختفي بين الحافلات ودخان السيارات. سألني وهو يضع يديه على أذنيه المفرطة بالحساسية لطفل على طيف التوحد: «لماذا يزمّر الجميع؟». قلت له: «عم يسلّموا على بعض بابا». لم يقتنع، لكنه اكتفى بالصمت.
وعندما وصلنا إلى الحارة، ناداه ابن خالتي وصديق عمري من شرفة منزله في الطابق الثاني: «مارسيل عمو هون هون... نورت الشام!». توقف ابني، ونظر إليّ طالبًا الترجمة. سألني بصوت خافت: «كيف يعرفني هذا الرجل؟». قبل أن أجيب، خرجت امرأة من الشرفة، ونادته باسمه أيضًا، ثم ظهر شخص آخر، ورجل مسن بدا أنه قد اعتاد رؤيته عبر الإنترنت. ناداه «جدو جدو» بحنجرة حنونة وعينين مثقلتين بالدموع، كانا ينتظران وصولنا منذ الصباح. في الغربة، اعتاد ابني أن يعيش بين أشخاص لا يعرفون اسمه إلا بعد أن يقدم نفسه. أما هنا، فكان الجميع يعرفونه قبل أن يعرفهم.
حين انطفأ الضوء
في الليلة الأولى، انقطعت الكهرباء. توقف صوت المروحة، وانطفأت الغرفة دفعة واحدة، وساد صمت قصير قبل أن ترتفع أصوات الجميع: «إجت ولا راحت؟». ارتبك ابني الذي يخشى المفاجآت غير المتوقعة، وأمسك بيدي. سأل: «بابا متى يعود الضوء؟». أجبته بالعبارة السورية الأكثر صدقًا: «الله أعلم». أضاءت الهواتف واحدًا بعد الآخر، قبل أن تنير الطاقة الشمسية أضواء المكان، ثم انتقل الجميع إلى الشرفة هربًا من الحر، ثم بدأت الحكايات. حكاية جرّت أخرى، وضحكة أيقظت ضحكة أقدم، وصحن البطيخ انتقل بين الأيدي، بينما راح أبناء العائلة يعلمون ابني كلمات شامية ويضحكون كلما حاول تقليدها حتى نسي الظلام تمامًا.
رأيته يضحك في العتمة، محاطًا بأشخاص التقاهم قبل ساعات، لكنه لم يعد يتصرف بينهم كغريب. في مدينته البعيدة، لم تكن الكهرباء تنقطع، لكن الأبواب كانت تُغلق باكرًا، وكان لكل إنسان موعد قبل أن يزور الآخر. أما هنا، فقد انطفأ الضوء وبقي الناس. وللمرة الأولى، أدرك ابني أن الظلام لا يعني دائمًا أن تكون وحيدًا.
لا تحوّلوا الوطن إلى امتحان
في الأيام التالية، كنت أريد أن أريه كل شيء. أخذته إلى شارعنا القديم، وجامعتي القديمة، وحتى إلى الدكان الذي كنت أشتري منه بعض الرفاهية. أريته الشجرة التي كنا نسرق خلفها بعض الحب في حديقة الجاحظ. كنت أروي بسرعة، كأنني أخشى أن يختفي المكان قبل أن أنتهي من شرحه. لكنه بعد وقت قصير تعب من ذكرياتي. كان يريد أن يركض خلف قطة رآها قرب الجامع، وأن يشتري البوظة من محل شعبي مررنا بجانبه، وأن يتابع لعبة النجاة بين السيارات كلما أردنا قطع الشارع والأدرينالين يملأ المكان.
عندها فهمت أنني كنت أحاول أن أجعله يتذكر أشياء لم يعشها. كنت أريد منه أن يحب سوريا للأسباب نفسها التي أحببتها بها، وأن يحن إلى الأزقة التي شهدت طفولتي، وأن يشعر بشيء استغرق داخلي عمرًا كاملًا كي يتكون. نحن أبناء الغربة نفعل ذلك كثيرًا بأطفالنا. نحدثهم عن الوطن حتى يتحول في أذهانهم إلى كائن مثالي، نطلب منهم أن يحبوه قبل أن يعرفوه، وأن يشتاقوا إليه قبل أن يعيشوا فيه، وأن يدافعوا عنه وكأنه امتحان في الوفاء.
دمشقه هو
توقفت عن الشرح. تركته يرى المدينة بطريقته. فصادق طفلًا في الحارة اخترع معه لغة كاملة من الكرة والإشارات والضحك. تعلم أن يقف وسط الجموع طويلًا ليحصل على كرواسان الشوكولا الساخن، وأن يقول للبائع «يسلمو»، ثم يعود مسرعًا كأنه أنجز مهمة وطنية كبرى. حفظ الطريق إلى دكان الحي، واختار لنفسه نوعًا من البسكويت لم أكن أحبه في طفولتي. صار ينتظر ابن خالته كل صباح، ويصعد معه إلى السطح ليراقبا الحمام يدور فوق البيوت.
ظل يتذمر من الحر، ويسأل متى ستعود الكهرباء، ويغطي أذنيه من أصوات السيارات. لم يفهم لماذا يقبله كل من رآه لأول مرة، ولا لماذا يصر الجميع على إطعامه حتى بعد أن يقول إنه شبع. لكنني لم أعد أطلب منه أن يحب الصورة كلها. فحتى نحن، الذين ولدنا هنا، لم نحب كل شيء. الوطن ليس مكانًا كاملًا. إنه المكان الذي نتعلق به رغم معرفتنا بنواقصه، وربما بسبب قدرتنا على رؤية أنفسنا بين تلك النواقص. كان عليّ أن أسمح له بأن يبني علاقته الخاصة مع سوريا؛ علاقة لا تقوم على دَين عاطفي تجاه أبيه، ولا على صور قديمة لا تخصه. أنا كنت أملك دمشق المخبأة في ذاكرتي. أما هو، فكان يحتاج إلى دمشقه هو.
متى نعود؟
في طريق الرجوع إلى المطار، كان أكثر هدوءًا. لم أقل له هذه المرة: «سنغادر». كنت أخشى أن أثقل اللحظة بكلمات الكبار. بعد صمت طويل، سألني: «بابا... متى نعود إلى هنا؟». توقفت عند كلمة «نعود». قبل أسابيع، كان يقول إنه سيذهب إلى سوريا. أما الآن، فقد صار يتحدث عن العودة إليها. قلت فقط: «قريبًا».
في أسابيع قليلة، اكتشفت أن الوطن لا يورث في الجينات، لا ينتقل إلى الأبناء كما تنتقل الأسماء والسمات وألوان العيون. لا يمكننا أن نورث أبناءنا حنيننا كاملًا، لأن الحنين ابن التجربة، لا ابن الوصايا. كل ما نستطيع فعله أن نفتح لهم الباب. أن نحكي... أن نريهم... أن نمنحهم جذورًا، نسمح لهم أن يسقوها، وننتظر فقط. ربما يكفي أن نترك لهم مساحة ليصنعوا وطنًا يستطيع أن يحيا في ذاكرتهم هم. أنا عدت يوم هبطت الطائرة. أما ابني، فقد عاد يوم سألني: «متى نعود؟».
