قهوة صباحية وفيروز عم تغني " شو هالأيام " وتنهيدة من وسط قلبي عن العمر الذي مر بسرعة بينما نحن منشغلين بالحلم؟ وتذكرت موقف من الطفولة لما زرنا عيلة لطيفة جداً مع أهلي، بس لفت نظري وقتها طريقة حياتهم، وكيف كانوا عايشين على الكفاف حرفياً رغم انهم مقتدرين، وعلى صغر سني سألت بابا: ليش هيك عايشين؟
ووقتها قالي: غالب المغتربين بيقولوا منستحمل خمس أو سبع سنبن بالكثير ومنرجع ويمكن نحنا كمان قلناها..
خمس سنين لنرتب أمورنا. خمس سنين لنعمر البيت. خمس سنين لنؤمن مستقبل الأولاد. ثم تمر خمس سنوات... وتأتي خمس أخرى... ويكبر الأطفال الذين كان يفترض أن يعودوا إلى بلدانهم قبل دخول المدرسة.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، ينقسم الناس غالبًا إلى فريقين. الفريق الأول يقرر أن يعيش الحياة كما هي.. يتصالح مع غربته ومع البلد الجديد، يكتشف شوارعه، يجرب مطاعمه، يسافر، يشتري ما يحتاجه دون تأنيب ضمير، ويعامل الحياة وكأنها حياة حقيقية لا مجرد محطة انتظار طويلة.
أما الفريق الثاني، فهو بطل مشروع العودة الكبرى.. بطل مشروع الصبر ذلك الذي ينام على الحصير ليشحن السرير. يجلس على الأرض ليشحن الصالون. ويؤجل الراحة ليشتري غرفة نوم. ويؤجل السفر ليشتري ثريا. ويؤجل الحياة كلها حتى يكتمل البيت الذي سيعود إليه يومًا ما.. تدخل بيته في الغربة فتظنه في طور التأسيس منذ عشرين عامًا، لكن لو رأيت البيت في الوطن لاكتشفت أن هناك قصرًا صغيرًا يكتمل حجرًا فوق حجر، بينما صاحبه لا يزال يعد الأيام التي تفصله عن العودة.
بس بتعرف شو المحزن بالموضوع: أنو إذا حالفو الحظ وما انسرق البيت، متل كتير قصص سمعناها رح يكون كل شي قدم لما يقرر يرجع فلا هو استمتع بحياته ولا بالفرش.
وكأن المشهد يثير فينا شيئًا من السخرية والحيرة معًا.. فالبيت يزداد جمالًا عامًا بعد عام.. أما صاحبه، فلا يزال يؤجل حياته إلى موعد لم يأتِ بعد.
لكن الحقيقة التي تعلمناها لاحقًا أن السخرية من هذا النموذج سهلة... وفهمه أصعب بكثير. لأن الحياة أثبتت أن كلاً من الفريقين كان يحمل جزءًا من الحكمة وجزءًا من الوهم.
فكما عرفنا أشخاصًا أفنوا أعمارهم وهم يبنون مستقبلًا لم يعيشوه، عرفنا أيضًا آخرين قرروا أن يعيشوا الحاضر بالكامل. استمتعوا بكل ما كسبوه. سافروا. أنفقوا. وقالوا بثقة: "ليش نعيش غربتنا مرتين؟"
وكان منطقهم مقنعًا أيضًا لكن الحياة لا تعطي ضمانات لأحد، فكم من شخص ظن أن الغربة أصبحت وطنًا دائمًا، ثم فوجئ بإنهاء عقد، أو تغير أنظمة، أو أزمة اقتصادية، أو ظرف صحي أعاده إلى نقطة البداية.. عاد إلى بلده محملًا بالذكريات الجميلة... لكن بخطط أقل مما كان يتوقع.
وكما أن بعض من ادخروا لكل شيء لم يعيشوا الحياة كما يجب، فإن بعض من عاشوا الحياة كما يجب لم يدخروا لما يكفي.
ولهذا لا أستطيع أن أقول إن أحد الفريقين كان على حق كامل.. فالحياة ليست معادلة بهذه البساطة.
الذي كان ينام على الحصير لم يكن بخيلًا دائمًا، بل كان يحاول أن يحمي نفسه من مستقبل مجهول، والذي كان يستمتع بيومه لم يكن مستهترًا دائمًا، بل كان يحاول ألا تضيع سنوات عمره في قاعة انتظار طويلة.
كلاهما كان يتصرف بدافع الخوف. أحدهما خاف أن يعود بلا شيء. والآخر خاف أن يضيع عمره وهو ينتظر.
وربما لهذا السبب كانت الوسطية دائمًا أرحم الخيارات. أن تبني بيتك.. لكن دون أن تهدم أيامك في سبيله. أن تدخر للمستقبل.. لكن دون أن تحرم نفسك من الحاضر. أن تحلم بالعودة.. لكن دون أن تؤجل الحياة حتى تأتي. وأن تعيش الحياة.. لكن دون أن تتصرف وكأن المستقبل لن يأتي أبدًا.
يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو إن الفضيلة غالبًا تقع في الوسط بين طرفين.. وربما ينطبق ذلك على الغربة أكثر من أي شيء آخر.
فليست الحكمة أن تعيش للمستقبل وحده. وليست الحكمة أن تعيش للحاضر وحده. الحكمة أن تعرف كيف تمنح كلًا منهما حقه.
لأن البيت مهم.. لكن العمر الذي يمر وأنت تبنيه أهم.
ولأن العودة الجميلة لا تحتاج إلى منزل جاهز فقط.. بل إلى إنسان عاش الطريق أيضًا، لا مجرد نهاية الطريق.
وما في حدا فينا إلا وصادف واحدًا من هالنموذجين.. إذا ما كان واحدًا منهم أصلًا.
