عالم الدعاية والإعلان في سوريا حالةٌ اجتماعية واقتصادية وثقافية تستحق الوقوف عندها مطوّلاً؛ حالةٌ لها طبيعتها وخصوصيتها التي تجعلها مُزرية ومُشرقة في آنٍ معاً. من إعلاناتٍ شديدة الحميمية قوامها أغانٍ خفيفة وألحانٌ مسجوعة تعلق في الأذهان، ومخرجون حوّلوا الفواصل الإعلانية إلى «اسكتشات» شعبية تغازل عواطف المستهلك؛ إلى انفتاح جزئي للسوق وتراجُع الأغنية البسيطة لصالح «المفهوم الإبداعي»؛ إلى مرحلة الانحسار والرّزح بدون تكلّف؛ وصولاً إلى مرحلة التحرير الواعدة اليوم، حيث تستيقظ صناعةٌ كانت تحت الرماد، يحملها أبناؤها الذين تعلّموا في العواصم وتدرّبوا في وكالات العالم، ليعيدوا — لعلّهم يفعلون — كتابة فصلٍ جديدٍ عنوانه: الإعلان السوري كما لم يُكتب من قبل.
المحطة الأولى — التأسيس (1960 – منتصف الثمانينات): الإعلان النادر تحت سقف الرقيب
الإعلان السوري في طفولته لم يكن إعلاناً بالمعنى التجاري؛ كان إعلاناً سياسياً على شاشةٍ تملكها الدولةُ وتختار من تخاطبهم وبأي لغة. التلفزيون السوري الذي انطلق عام 1960 نشأ على فلسفة «الإعلام التعبوي»، فحُجز فيه للإعلان التجاري ركنٌ صغير مرّ عبر بوّابةٍ واحدة هي المؤسسة العربية للإعلان التابعة لوزارة الإعلام. كانت هذه المؤسسة، بشكل عملي، تجمع الثلاثية: الترخيص، الرقابة، والعمولة. أيُّ معلِن يريد الوصول إلى البيت السوري كان لزاماً عليه أن يمرّ من خلالها؛ فتنخل النص، وتنخل الصورة، وتقتطع حصتها قبل أن تُطلِق العمل في الإعلام الرسمي.
كانت هناك شاشةٌ واحدة، ومزاجٌ واحد، ووقتُ إعلانٍ محدّدٌ سلفاً بين خبر السابعة والمسلسل المسائي. وكانت الإعلانات تشبه تعميماً حكومياً أكثر منها دعوةً إلى الشراء. في ذلك الزمن لم يكن المنَتج يبحث عن المستهلك بقدر ما كان ينتظر أن يُسمَح للمستهلك أن يراه.
شاشةٌ واحدة، ومزاجٌ واحد، وإعلانٌ يُشبه تعميماً حكومياً.
المحطة الثانية — الولادة الأولى (منتصف الثمانينات – 1990): ظهور الإعلان المرئي للمنتج المحلي
في منتصف الثمانينات بدأ شيءٌ جديد يدخل البيت السوري: أن يرى الناس منتجاتهم تتحرك في صورة، لا أن يقرؤوها مكتوبةً على لافتة المحل. كانت تجربةً جديدةً على المُشاهد الذي لم يكن قد اعتاد رؤية منتجاته المحلية في قالبٍ بصري. فلأول مرة يصبح للصابون وجه، وللحلوى أغنية، ولعلبة المحارم بطلٌ صغير. الإعلان السوري في هذه المرحلة كان لا يزال بدائياً تقنياً — إضاءةٌ قاسية، صوتٌ جامد، حركةٌ محدودة — لكنه كان نافساً ومرغوباً ومنتظراً، لأنه أتى متأخراً.
معظم المعلِنين كانوا مصانع سورية محلية، لا علاماتٍ عالمية؛ فالسوق السوري بدأ بقاعدةٍ محلية لا بفروع شركاتٍ أجنبية، وهو ما سيُشكّل لاحقاً شخصية الإعلان السوري المختلفة.
المحطة الثالثة — الذروة الغنائية (1991 – 2004): مرحلة شراء ما يُغنّي لنا
هذه الفترة شكّلت حقبة الإعلان السوري بصيغته التي يتذكرها جيلٌ كامل اليوم. اكتشف الإعلان السوري في هذه المرحلة وصفته السحرية: لا تُخاطب العقل، اخترق الذاكرة. وأفضل وسيلةٍ لذلك أغنيةٌ قصيرة بلحنٍ جاذب، وعباراتٌ سهلة الحفظ، وموسيقى تستعير من المقام الشرقي، والألحان الغربية، ومن الذاكرة الشعبية. كنا نشتري ما يُغنّي لنا، لا ما يُقنعنا.
ولم تكن هناك «وكالات إعلان» بالمفهوم الحديث؛ كان المعلِن يتعامل مباشرةً مع مخرج أو فريق إنتاج صغير. هذه البساطة الإنتاجية أدت إلى غياب شبه تامٍّ للوكالات مقابل قوة المخرج وشركة الإنتاج، فأعطى الإعلانَ السوري شخصيةً حرفيةً لا استراتيجية. كان حول هذه الوصفة مدرسةٌ من المخرجين والملحنين والمهندسين الصوتيين والممثلين الناشئين وعارضات الأزياء وملكات الجمال من لبنان: هيفاء وهبي في إعلان السباغيتي، كاتيا كعدي في إعلان محارم ديما، ونيكول بردويل في إعلان بوفالو، وغيرهن كثيرات.
منتجاتٌ وعباراتٌ حُفرت في ذاكرة جيلٍ كامل: «عمار شو هيد يا عمار»، و«دو ري مي»، وعلكة، وليفة، ومحارم، وبَرَش، ومراوح، وبرادات، وصابون، وشيبس، وجوفريه... والقائمة تطول. كان الإعلان السوري في تلك السنوات حرفةً مُتقنة قبل أن يكون صناعةً منظّمة؛ يصنع ثوانٍ ودقائق تعلق في ذاكرة المُشاهد.
المحطة الرابعة — التحوّل الاقتصادي (2005 – 2010): ظهور العلامات التجارية
ستُّ سنواتٍ قصيرة حدث خلالها ما لم يحدث في أربعة عقودٍ سبقتها، بفضل التوجّه بعد 2005 نحو الانفتاح المُتدرّج، بأثرٍ من قانون الاستثمار رقم 10 وما تلاه: إطلاقُ شركات اتصالٍ خلوي، وبنوكٍ خاصة، وقنواتٍ تلفزيونية خاصة، ودخولُ وكالاتٍ إعلانية إلى السوق السوري. فسوريا بين 2005 و2010 كانت تُجرّب — للمرة الأولى — أن تكون سوقَ علاماتٍ تجارية لا سوقَ منتجات.
ميزانياتُ الاتصالات الخلوية، والبنوك الخاصة، والتطوير العقاري، والفنادق، والمواد الغذائية وغيرها، كلها فجأةً فتحت أبواباً لصناعة الإعلان السوري. وفي قلب هذا التحوّل بدأ يتشكّل الفكرُ الإعلاني الحديث للمرة الأولى في سوريا، عبر وكالاتٍ منظّمة على الطراز الدولي. وتوّج هذا الانفتاحَ انتشارُ شبكة لوحات الإعلانات الخارجية في المدن الرئيسية وعلى طرق السفر، بصورةٍ لم تكن مألوفةً قبل 2005.
هذه السنوات شكّلت اللحظة الوحيدة في التاريخ السوري التي كان السوق فيها على وشك أن يلتحق بمدارس العواصم الإقليمية. لم تكن قد لحق بعد، لكنه كان في الطريق. وأهمّ ما تكوّن في هذه السنوات لم يكن العمل الإعلاني نفسه، بقدر ما كانت الكوادر الإعلانية: جيلٌ من المصممين والمخرجين والكتّاب ومدراء الحسابات السوريين تعلّموا داخل وكالاتٍ منظّمة بمعايير دولية لأول مرة.
كان كل شيءٍ يُشير إلى أن السنوات العشر التالية ستكون عصرَ التألّق. لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
المحطة الخامسة — الانكسار (2011): حين انتصرت آلة الموت على الإبداع
لم تكن 2011 سنةً عابرةً في الجدول الزمني؛ فبقدر ما كانت أملاً لشعبٍ ووطنٍ بأكمله، رسمت في الوقت نفسه نكسةً لقطاعٍ كان في طور التشكّل. في تلك السنة دفع الشعب السوري ثمن مطالبه بالحرية والكرامة، حين قابلتها آلةُ عنفٍ وبطشٍ حوّلت المدن إلى ميادين قصف، والمواطن إلى هدف، والاقتصاد إلى رماد.
ما جرى للإعلان السوري لم يكن أكثر من كونه ضحيةً جانبية لمأساةٍ أكبر، لكنه يكشف بدقّةٍ كيف يَقتل البطشُ الإبداع: قبل أن يَقتل الإنسان جسدياً، يقتله مهنياً. قبل أن يُهجّر العائلات، يُهجّر العقول. قبل أن يُسكِت الأصوات، يُجوّع الأفكار.
ميزانياتُ التسويق التي صُمّمت لتشتري ابتسامةً صارت تُصرَف على إخلاء عائلاتٍ وإيجارات منفى. فلا يمكن لمصنعٍ سُوِّيَ بالأرض أن يُعلِن، ولا لشركةٍ هُجّر مالكها أن تخطّط، ولا لجمهورٍ أُحبطت أحلامه أن يستهلك، ولا لوكالاتٍ فقدت عملاءها أن تستمر. غادرت الوكالات، وهاجرت العقول، وقُتِل الإبداع، وسُرِقت الأحلام.
الأرقامُ وحدها تروي بقيةَ الحكاية: الاقتصاد السوري تراجع بأكثر من 70% منذ 2011، وفق تقديراتٍ اقتصادية مستقلة. انتقلت سوريا من المرتبة 77 عالمياً (2010) كدولةٍ طاردة للكفاءات، إلى المرتبة 11 عالمياً (2022) — أي ضمن الأسوأ عالمياً. وانسحبت العلامات الإقليمية والعالمية تباعاً تحت ضغط العقوبات وانهيار القدرة الشرائية، وإغلاق فروعها أو تحويلها إلى عملياتٍ بالحد الأدنى.
الإعلان كصناعة لا يحيا إلا في مجتمعٍ مفترَضٌ فيه أن يكون لديه مستقبلٌ قابلٌ للتسويق. حين يتحوّل الغدُ إلى علامة استفهامٍ كبيرة، يفقد الإعلان وظيفته الأساسية: أن يَعِد. ولهذا، في عُمقها، كانت الحربُ على الشعب السوري حرباً على فكرة الوعد، وبالتالي على فكرة الإعلان نفسها.
المحطة السادسة — المنفى الإبداعي (2012 وما بعدها): العقل السوري يتمدد عالمياً
لم يَمُت العقل الإعلاني السوري؛ هاجَر. وذلك بدوره فتح فصلاً غير متوقّع من موجةٍ من الكفاءات خرجت من سوريا مُكرَهةً إلى عواصم إقليمية كبرى استقبلتهم بوصفهم كوادرَ موهوبة ضرورية لتشغيل ماكينتها الإبداعية. وهناك التقى السوري بمدارس أخرى — لبنانية، خليجية، مصرية، مغربية، أمريكية، فرنسية، بريطانية، هندية — فتعلّم منها ما لم تكن لتُعلّمه إياه دمشق، وعلّمنها ما لم تكن أيٌّ منها قادرةً على إنتاجه وحدها.
تعلّم في هذه السنوات ما لم يكن للسوق السوري أن يمنحه إياه في عشرات السنين. تعلّم المنهجية والتواصل بلغاتٍ متعددة، والتفكير في الحملة على المدى الطويل عبر نقاط اتصالٍ متعددة، وقنوات متنوعة، والتكامل بين الإعلانات التقليدية والرقمية وتوظيف المشاهير والترندات. صار الشاب السوري جديراً بإدارة حساباتٍ إقليمية في وكالاتٍ عالمية، ومبدعاً لدرجة قيادة فريقٍ من المبدعين في أشهر الوكالات العالمية، واستراتيجياً لدرجة قيادة أهم فرق بناء استراتيجيات العلامة التجارية على مستوى المنطقة. تمكّن المبدع السوري من المشاركة في أحداث ومعارض وجوائز عالمية والاحتكاك بمعايير الإبداع الدولي بدل المعيار المحلي. والأهم تغيّر العقلية لديه من جمالية الإعلان إلى النتيجة القابلة للقياس لعميلٍ يدفع. وهنا اندمج الحسُّ الإبداعي والالتزام السوري بالاحترافية العالمية، فأنتج لغةً بصريةً جديدة تتجاوز حدود أي مكان.
حين تنظر من بعيد ترى المفارقة الكبرى: السوق السوري كان حبيس قالبه الناجح، ولم يستطع أن يُفلت منه إلا حين خسره. الإعلانُ السوري الذي لم يكن سيتطوّر داخل دمشق تطوّر في منفاه. والقول هنا ليس مديحاً للحرب — تلك مأساةٌ لا تُداوى — بل اعترافٌ بأن الإبداع الإنساني، حين يُحرَم من بيته، يبحث عن جدرانٍ أخرى يتسلّق عليها.
المحطة السابعة — (اليوم وما بعد): عودةٌ بأدواتٍ جديدة
بعد خمسة عشر عاماً من الرّزح تحت قيِد السلاح والخوف والعقوبات، تستيقظ سوريا اليوم على واقعٍ مغاير. تفتح الحدود ذراعيها ببطء، وتعود شركات الإعلان الإقليمية والعالمية لتدرس السوق من جديد، وتُفكَّك العقوباتُ شيئاً فشيئاً ما كان قد أُحكم على رقاب الصناعة. الإعلان السوري — كأشقّائه في كل القطاعات — يقف اليوم على حافة فرصةٍ نادرة: أن يُعادَ تأسيسُه، لا أن يُرمَّم.
الفارق الجوهري هذه المرة أن العائدين ليسوا هم المغادرين أنفسهم. فحين غادروا كانوا كوادر متقنة يبحثون عن سقفٍ يحميهم. بينما عندما يعودون في 2026 — إن قرّروا العودة — فهم ناضجون مهنياً، تشبّعوا بمعايير دولية، وعبروا كل المواقع: من إدارة حسابات وكالاتٍ عالمية في الرياض، إلى إدارة التخطيط الاستراتيجي في شبكات وكالاتٍ عالمية في دبي، إلى الإخراج الإبداعي في وكالات إقليمية في الدوحة، إلى تأسيس استوديوهات رقمية في إسطنبول أو برلين. هم يحملون اليوم ما لم يكن متاحاً قبل 2011: منظومةً كاملة من الفكر الاستراتيجي، والإنتاج الرقمي، والإعلام المُؤثّر، والقياس بالأرقام، وروح الشراكة مع العميل لا التبعية له.
وفي الجهة الأخرى، السوقُ المحلي ذاته تغيّر. مَن بقي داخل دمشق وحلب واللاذقية وحمص وحماة وطرطوس ودير الزور والحسكة وغيرها، خاض تجاربَ تعلّم منها كثيراً تحت ضغوطٍ هائلة: إدارة أزمة، تدوير ميزانيات شحيحة، الاعتماد على القنوات الرقمية المجانية، صناعة محتوى السوشيال ميديا بإمكانياتٍ منزلية، وفهم المستهلك السوري في أقسى لحظاته. هذه الخبرة «المحاصَرة» هي بدورها رأسُ مال صناعي لا يُستهان به.
إعادةُ بناء هذا القطاع لن تكون استعادةً للإعلان الغنائي بصيغته التسعينية — فالعالم تغيّر، والمستهلك تغيّر، والشاشة تغيّرت. لكنها قد تكون شيئاً أكثر طموحاً: تأسيس مدرسةٍ سورية معاصرة تستلهم حميمية المدرسة القديمة، وتدمجها بعقلٍ استراتيجي عالمي ممزوج بفن القدرة على البقاء والفهم العميق للمستهلك السوري.
إن نجحنا في أن نُعيد إلى دمشق ما يستحق العودة — لا أكثر، ولا أقل — يكون الإعلان السوري قد أكمل دورته الكاملة:
وُلِد تحت سقف الرقيب... ونضج في منفى الخارج والداخل... وعاد ليُؤسّس مدرسةً جديدة بأدواته كلّها.
في الختام
يحقُّ لكلٍّ من نشأ في الثمانينات والتسعينات يُشاهد فاصل عمّار وبوفالو وديما وغيرها أن يسأل اليوم — وقد أصبح يحمل في رصيده من الخبرة ما أهّله لقيادة وكالةٍ في دبي أو الرياض أو القاهرة أو خارج المنطقة كليّاً — هل سنعود؟ وما الذي سنُعيده إلى دمشق إن عدنا؟ هل نعيد قالبَ الجينغل بنوستالجياه الدافئة؟ أم نحمل معنا كل ما تعلّمناه وراء الحدود، ونُعيد به تأسيس صناعةٍ كادت أن تضيع؟
الإجابة لا تكمن في استنساخ الماضي، ولا في استيراد قوالب الخارج الجاهزة بتعقيداتها. الإجابة، بالنسبة لي كخبير في صناعة الإعلان لما يزيد عن 20 عاماً، هي في تأسيس صناعةٍ إعلانية سورية هجينة ومبتكرة. نحن مدعوون اليوم لدمج الخبرات لما يزيد عن 20 عاماً للجيلين: جيل «المنفى» الذي تسلّح بالاستراتيجيات العالمية والمنهجيات الدقيقة، وجيل «الداخل» الذي أتقن فن البقاء ومرونة الإنتاج في ظل الندرة. وأن ندرك قبل كل شيء أن الإعلان — كأيّ صناعةٍ تنبع من القلب — لا ينجح حقاً إلا حين يكتبه أهلُه بصدقٍ وأريحية، تماماً كما كتب السوريون إبداعاتهم في كل المحافل.
