هل تستطيع سوريا الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي بينما يوجد مبرمجون يشغّلون حواسبهم على بطاريات السيارات؟

بين بنية تحتية متعبة وجيل تعلّم أن يعمل تحت الضغط.

في لحظة تتسابق فيها الدول على بناء بنية الذكاء الاصطناعي، يحاول مبرمجون سوريون اللحاق بالعصر بأدوات بالكاد تكفي.

مبتكر في البحصة

هل تستطيع سوريا الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي بينما يوجد مبرمجون يشغّلون حواسبهم على بطاريات السيارات؟
معاذ الحمامي

في مكانٍ ما من سوريا، يجلس شاب أمام شاشة مضيئة في غرفة شبه معتمة.

الكهرباء مقطوعة منذ ساعات، والإنترنت بالكاد يعمل، لكن اللابتوب ما يزال مستمرًا بفضل بطارية سيارة موصولة بأسلاكٍ عشوائية قرب الطاولة.

قد تبدو الصورة ساخرة للوهلة الأولى، أو حتى أقرب إلى “ميم” من الإنترنت، لكنها في الحقيقة تختصر تناقضًا كبيرًا يعيشه العالم اليوم؛ ففي اللحظة التي تضخ فيها الدول الكبرى مليارات الدولارات في مراكز البيانات، والرقاقات الإلكترونية، والبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، يوجد مبرمجون ومصممون ومهندسون في سوريا يحاولون دخول هذا العصر… بأدوات بالكاد تكفي للاستمرار.

العالم اليوم لا يعيش مجرد موجة تقنية جديدة، بل يعيش تحولًا اقتصاديًا كاملًا.

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للترفيه أو التجارب التقنية، بل أصبح طبقة جديدة ستدخل في كل شيء تقريبًا؛ في الإعلام، والتعليم، والتجارة، والبرمجة، والتصميم، والتسويق، والصناعة، وحتى في طريقة اتخاذ القرارات نفسها.

ولهذا بدأت الدول تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بنية تحتية استراتيجية، تشبه الكهرباء والإنترنت والنفط في أهميتها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين تقف سوريا داخل هذا التحول العالمي السريع؟

قد تبدو الإجابة متشائمة في البداية.

البنية التحتية الرقمية ما تزال ضعيفة، الكهرباء ليست مستقرة دائمًا، الإنترنت أبطأ بكثير من سرعة العالم الذي يتحرك كل يوم، والوصول إلى بعض التقنيات الحديثة ليس سهلًا كما هو في دول أخرى. وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على الحوسبة السحابية، والاتصال المستمر، والقدرة الحاسوبية العالية، تبدو هذه الفجوة حقيقية فعلًا.

لكن المفارقة أن الصورة ليست سوداء بالكامل.

لأن سوريا، رغم كل شيء، أنتجت خلال السنوات الماضية عددًا كبيرًا من المبرمجين والمصممين والعاملين في المجال الرقمي الذين استطاعوا دخول السوق العالمي من ظروف تبدو مستحيلة أحيانًا. بعضهم عمل من غرف صغيرة، وبعضهم بدأ بجهاز متواضع واتصال إنترنت ضعيف، وبعضهم اضطر فعلًا لاستخدام حلول بدائية فقط ليكمل عمله.

ومع ذلك، استطاع كثير منهم العمل مع شركات خارجية، أو بناء مشاريعهم الخاصة، أو دخول الاقتصاد الرقمي العالمي بطريقة أو بأخرى.

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا قد تغيّر طريقة النظر إلى المسألة بالكامل.

للمرة الأولى منذ عقود طويلة، قد لا تكون المنافسة العالمية مرتبطة فقط بحجم المصانع، أو عدد الآلات، أو حتى رأس المال الضخم وحده.

في الاقتصاد التقليدي، كانت الدول التي تملك المصانع والطاقة والبنية الثقيلة تملك الأفضلية دائمًا. أما في الاقتصاد الرقمي، وخصوصًا في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد بدأت عناصر أخرى تصبح أكثر أهمية: سرعة التعلّم، والقدرة على التكيّف، وفهم الأدوات الجديدة واستخدامها بذكاء.

وهذه تحديدًا نقطة لا يمكن تجاهلها في الحالة السورية.

لأن جيلًا كاملًا من السوريين تعلّم خلال السنوات الماضية كيف يعمل تحت الضغط، وكيف يجد حلولًا في ظروف غير مستقرة، وكيف يتكيّف بسرعة مع التغيرات. ربما لم يكن ذلك خيارًا يومًا، لكنه أصبح مهارة حقيقية.

ولهذا يبدو المشهد السوري غريبًا أحيانًا؛ فمن جهة، توجد بنية تحتية متعبة لا تواكب هذا العصر بالكامل، ومن جهة أخرى توجد طاقات بشرية قادرة على التعلّم والعمل والتطور بسرعة كبيرة. كأن المشكلة ليست في غياب العقول… بل في البيئة التي تحاول هذه العقول العمل داخلها.

فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا “رقميًا”، يحتاج في النهاية إلى أشياء شديدة الواقعية: كهرباء مستقرة، وإنترنت جيد، وحواسب مناسبة، وأسواق تفهم أصلًا قيمة التكنولوجيا.

ولهذا فإن أي حديث جدي عن مستقبل الذكاء الاصطناعي في سوريا لا يمكن أن يبقى محصورًا بالأدوات والبرامج فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا البنية التحتية الرقمية كاملة؛ لأن الدول التي ستستفيد فعلًا من هذا التحول ليست فقط الدول التي تملك المواهب، بل الدول التي تستطيع إبقاء هذه المواهب داخل بيئة قادرة على النمو.

ومع ذلك، ربما يحمل هذا العصر فرصة مختلفة قليلًا عن الفرص السابقة.

فالذكاء الاصطناعي، بعكس كثير من الصناعات التقليدية، خفّض بشكل كبير كلفة الدخول إلى السوق العالمي. اليوم يستطيع شخص واحد، بجهاز متوسط واتصال جيد نسبيًا، أن ينتج أشياء كانت تحتاج سابقًا إلى شركات كاملة وميزانيات ضخمة. وهذا يفتح بابًا مهمًا جدًا أمام البيئات التي تملك المواهب أكثر مما تملك الإمكانيات.

ربما لهذا السبب تحديدًا تبدو سوريا اليوم أمام مفارقة غريبة؛ فهي ليست جاهزة بالكامل لهذا العصر، لكنها أيضًا ليست خارجه تمامًا. وفي عالم يتحرك بهذه السرعة، قد تكون القدرة على التعلّم أسرع من القدرة على البناء نفسها أحيانًا.

ولهذا ربما لم يعد السؤال الحقيقي: هل يستطيع السوريون استخدام الذكاء الاصطناعي؟ بل: إذا توفرت البنية التحتية يومًا… إلى أي حد يمكن لهذا الجيل أن ينافس العالم فعلًا؟