عطر الشام

تأمل وجداني في الرائحة التي تمنح الشام هويتها العاطفية، وتفتح أبواب الذاكرة للمسافر منذ اللحظة الأولى للعودة.

عطر الشام
إحسان أحمد الحمامي

لكل مدينة في هذا العالم هويتها البصرية والمعمارية، لكن للشام وحدها هوية عطرية لا تُخطئها الروح. إنها ليست مجرد روائح عابرة، بل هي شيفرة سرية تفتح أبواب الذاكرة المغلقة بمجرد أن تطأ قدم المسافر عتبات الوطن. في اللحظة الأولى التي تنفتح فيها أبواب الطائرة أو معابر الحدود، يندفع نحو صدرك هواء محمل بعبق فريد، رطوبة دافئة ممتزجة برائحة الأرض، لتقول لك دون كلام: "أهلاً بك، لقد وصلت".

هذه الرائحة التي تشمها في الشام لا تشبه أي مكان آخر في العالم. إنها توليفة عتيقة صُنعت على مر القرون؛ مزيج مذهل من ياسمين دمشق الدمشقي الساحر الذي يتسلق الجدران الحجرية، وعبق القهوة الممزوجة بالهيل والتي تفوح من النوافذ المفتوحة في الصباح الباكر. تلتقي في هذا الهواء رائحة الخبز الطازج الخارج للتو من أفران الحطب، مع أنفاس التراب المبلل برذاذ المطر الخفيف، ورائحة غسيل الأمهات المنشور على الشرفات والذي يفوح بالنظافة والطمأنينة.

إن الشم هي الحاسة الأكثر ارتباطاً بالذاكرة العاطفية، وهذا بالتحديد ما يفسر تلك القشعريرة التي تسري في جسدك مع أول شهيق. تلك الرائحة لا تدخل الرئتين فحسب، بل تصعد مباشرة إلى خلايا الذاكرة لتحفز شريطاً طويلاً من الأيام الخوالي.

ترى في مخيلتك فوراً طفولتك الركض في الحارات القديمة، ضحكات الأصدقاء، صوت بائع الخضار الجوال، ولمة العائلة حول ساحة الدار. هي رائحة الأمان الفطري الذي يفتقده المغترب في بلاد الغربة، مهما بلغت تلك البلاد من النظافة أو الرفاهية.

في الغربة، قد تعيش في مدن فائقة الحداثة والتنظيم، لكنها غالباً ما تكون مدناً "بلا رائحة" أو برائحة اصطناعية باردة. أما رائحة الشام فهي رائحة حية، تتنفس معك وتواسيك عن سنوات البعد. إنها بمثابة عناق دافئ من أم رؤوم تنتظر خلف الباب، لتزيح عن كاهلك وعثاء السفر ومرارة الاغتراب، وتعيد ترتيب فوضى مشاعرك بلمح البصر. الشام لا ترحب بزوارها باللافتات، بل ترحب بهم بعطرها الذي يبقى عالقاً في الوجدان حتى لو غادروها مجدداً.