الاعتراف بالمبدع… استثمار في الوطن

قراءة في أهمية احتضان المبدعين السوريين وتحويل خبراتهم الفردية إلى رصيد معرفي وثقافي يساهم في بناء مستقبل الوطن.

الاعتراف بالمبدع… استثمار في الوطن
تقى عبد المنتصر علعل

أُغلقت شاشة وثائقي يحكي عن رحلة أبي خليل القباني من دمشق إلى شيكاغو، تاركًا سؤالًا ظل يرافقني: هل تغيّرت علاقة الوطن بمبدعيه، أم أن سؤال الاعتراف ما زال يعبر الأجيال السورية؟

قبلها بأيام، استضاف الصالون الثقافي السوري الكاتبة والروائية السورية ماريا دعدوش في لقاء حمل عنوان “بين أهلي وناسي”. بدا العنوان في البداية بسيطًا ودافئًا، ثم أخذ يكشف معنى أعمق كلما استحضرت سيرتها؛ أكثر من تسعين كتابًا، وجوائز عربية ودولية، وحضور في المؤتمرات والمهرجانات، وتجربة امتدت إلى تدريب عشرات الآلاف من المهتمين بالكتابة الإبداعية. ومع هذا المنجز، اختارت أن تختصر لحظة لقائها بجمهورها السوري بكلمتين: “بين أهلي وناسي”.

يفصل بين أبي خليل القباني وماريا دعدوش ما يقارب قرنين من الزمن، ويصل بينهما سؤال الاعتراف الوطني. سؤال بقي حاضرًا رغم تبدل الأزمنة؛ فمكانة المبدع في وطنه تتشكل بقدر ما يجد منجزه حضورًا في الذاكرة الثقافية، ويصبح جزءًا من مؤسساتها ومسيرتها.

الاعتراف في المجال الثقافي يؤسس لعلاقة متبادلة بين المبدع ووطنه، ويمنح المنجز فرصة لأن يتجاوز صاحبه، فيغدو جزءًا من الذاكرة الوطنية، وخبرةً تتناقلها الأجيال، وتستثمرها المؤسسات في بناء مستقبلها الثقافي.

كل منجز ثقافي يحمل معه معرفةً تراكمت عبر سنوات طويلة من التجربة والعمل. وعندما تجد هذه الخبرة مكانها في الجامعات، والمؤسسات الثقافية، وبرامج التأهيل، تتحول إلى رصيد معرفي مشترك، يتسع به أفق الممارسة الثقافية، ويمنح الأجيال فرصة البناء على ما سبقها. وهنا تتجلى قيمة الاعتراف، لأنه يحفظ الخبرة، ويمنحها قدرةً على الاستمرار والتجدد.

عرفت سوريا، على امتداد تاريخها، مبدعين تركوا بصمات راسخة في الأدب والفنون والفكر، ورسخوا أسماءهم في المشهد الثقافي العربي والعالمي. غير أن سنوات التغريب القسري وسّعت المسافة بين كثير من هذه الخبرات ووطنها، فاستمرت في العطاء والإنتاج خارج حدوده، بينما افتقدت الحياة الثقافية السورية التواصل المباشر مع جزء من طاقاتها الأكثر خبرة.

وترتبط قيمة الاعتراف بمستقبل الثقافة بقدر ارتباطها بالمبدع نفسه. فكل خبرة تجد طريقها إلى مؤسسات الوطن تضيف إلى رصيده المعرفي، وتمنح الأجيال فرصة التعلم ممن سبقها. ومع اتساع هذه الدائرة، تتحول العلاقة بين المبدع ووطنه إلى شراكة مستمرة؛ يسهم فيها المبدع بخبرته، ويكسب الوطن معرفةً تتجدد مع كل تجربة، وتنعكس أثرًا في مشاريعه الثقافية ومبادراته.

لهذا يكتسب الاعتراف معناه الحقيقي عندما يصبح جزءًا من العمل الثقافي اليومي، ويظهر أثره في التعليم، والتأهيل، والتخطيط، والمبادرات، وصناعة القرار الثقافي. عندها تتحول الخبرة الفردية إلى قوة تدعم الحياة الثقافية، وتفتح المجال أمام تراكم معرفي يمتد من جيل إلى آخر.

ربما لهذا بقي سؤال أبي خليل القباني حاضرًا بعد انتهاء الوثائقي، واستعاد حضوره في عنوان اختارته ماريا دعدوش: “بين أهلي وناسي”. فبين هاتين التجربتين، الممتدتين على قرنين، يظل الاعتراف أحد الأسئلة الثقافية التي تتصل بقدرة الوطن على احتضان خبرات مبدعيه ودعمها، وإشراكها في صناعة مستقبله الثقافي، حتى يبقى المنجز حيًا في ذاكرته، ومؤثرًا في أجياله القادمة.