وداعًا شيخ النحاة.. مازن المبارك الذي كرّس حياته لخدمة العربية وتراثها

رحلة عالم لغوي دمشقي أمضى قرابة ستة وتسعين عامًا بين النحو واللغة والتحقيق وخدمة التراث العربي.

وداعًا شيخ النحاة.. مازن المبارك الذي كرّس حياته لخدمة العربية وتراثها
عبدالإله البكار

بعد رحلة استمرت قرابة ستة وتسعين عامًا أمضاها بين صفحات الكتب بحثًا وتأليفًا، وفي قاعات المحاضرات طالبًا وأستاذًا، ينهل من معارفهم ويفيض عليهم من بحر علومه، رحل في دمشق يوم السبت 25 يوليو 2026 عالم اللغة العربية الجليل وأحد شيوخ النحاة في سورية، الدكتور مازن المبارك، عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، الذي جعل من اللغة العربية وتراثها محورًا لمسيرته العلمية، ومن خدمتها رسالة ممتدة عبر أجيال.

ولد مازن بن عبد القادر المبارك في دمشق عام 1930، ونشأ في أسرة علمية عريقة، والده العالم اللغوي الكبير الشيخ عبد القادر المبارك، العضو المؤسس في المجمع العلمي العربي، وشقيقه الأستاذ محمد المبارك، العالم والوزير، وتعود جذور أسرته إلى الجزائر، إذ هاجر جده الشيخ محمد المبارك الدلسي إلى دمشق مع الأمير عبد القادر الجزائري بعد عام 1854، واستقر فيها.

بدأ المبارك رحلته العلمية من جامعة دمشق، حيث حصل على إجازة في الآداب وأهلية التعليم الثانوي، ثم واصل تحصيله الأكاديمي في جامعة القاهرة، فنال شهادتي الماجستير والدكتوراه في الآداب. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسمه بالدراسة والبحث والتدريس، ليصبح أحد الأسماء البارزة في مجال اللغة العربية والنحو في سورية والعالم العربي.

امتدت مسيرته الأكاديمية إلى عدد من الجامعات والمؤسسات التعليمية، فدرّس في جامعة دمشق، وتولى رئاسة قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة دبي، كما تولى رئاسة قسم اللغة العربية في جامعة قطر، وكان عضوًا في جمعية البحوث والدراسات، ثم أصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 2002، وواصل في دمشق عمله مدرسًا في معهد الشام العالي.

كانت العربية حاضرة في مختلف جوانب مشروعه العلمي، فلم يكتفِ بتدريسها، بل انشغل بتأليف الكتب التي تناولت النحو واللغة والبلاغة والوعي اللغوي، وترك عددًا من المؤلفات التي أصبحت جزءًا من مسيرته في خدمة العربية.

ومن أبرز أعماله كتاب »الزجاجي، حياته وآثاره ومذهبه النحوي«، وكتاب »الرماني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه«، إلى جانب »النحو العربي«، و»النصوص اللغوية«، و»الموجز في تاريخ البلاغة«، و»نحو وعي لغوي«، و»اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي«.

وفي مؤلفاته، تناول المبارك قضايا تتصل بتاريخ النحو وأعلامه، واهتم بتعزيز الوعي باللغة العربية، وحضورها في التعليم العالي والبحث العلمي، ليجمع في مسيرته بين الجانب الأكاديمي والبحثي والاهتمام بقضايا اللغة وواقعها.

وكان للتحقيق العلمي نصيب بارز من جهوده، إذ أسهم في خدمة التراث العربي من خلال تحقيق عدد من الكتب اللغوية والنحوية، فحقق »الإيضاح في علل النحو« للزجاجي، وشارك، إلى جانب الأستاذ محمد علي حمد الله وتحت إشراف أستاذهما سعيد الأفغاني، في تحقيق »مغني اللبيب« لابن هشام، كما حقق »كتاب اللامات« للزجاجي، و»المباحث المرضية المتعلقة بمن الشرطية« لابن هشام، و»المقتضب« لابن جني، إضافة إلى »الألفاظ المهموزة« و»عقود الهمز« لابن جني.

وامتد اهتمامه إلى دراسة أعلام النحو والبحث في تراثهم، ومن أبرز أعماله في هذا المجال بحث »الزجاجي حياته وآثاره ومذهبه النحوي من خلال كتابه الإيضاح«، الذي نُشر في مجمع اللغة العربية بدمشق على خمسة أجزاء بين عامي 1959 و1960. كما قدم مقدمات لعدد من المؤلفات والتحقيقات المنشورة، منها »أعيان العصر وأعوان النصر« لصلاح الدين الصفدي، و»إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين« لابن طولون، و»المصباح في النحو« للمطرزي.

وفي عام 2025، نال مازن المبارك جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، في فرع نشر الوعي اللغوي وإبداع المبادرات المجتمعية اللغوية، في تقدير لمسيرة طويلة ارتبطت باللغة العربية تعليمًا وتأليفًا وتحقيقًا وبحثًا.

وقد أفرد تلميذه الدكتور أحمد محمد قدور سيرته في كتاب بعنوان »مازن المبارك: جهوده العلمية وجهاده في سبيل العربية«، وهو عنوان يختصر جانبًا من مسيرة عالم جعل العربية ميدانًا لعمله وعلمه، وامتدت جهوده فيها عبر عقود طويلة.

برحيل الدكتور مازن المبارك في دمشق، تُطوى صفحة عالم أمضى عقودًا طويلة في رحاب اللغة العربية، متنقلًا بين قاعات الجامعات وميادين البحث والتحقيق، تاركًا إرثًا علميًا في النحو واللغة والبلاغة، وإسهامات بارزة في تحقيق التراث العربي وخدمة لغة الضاد وتعزيز الوعي بها.

رحم الله الدكتور مازن المبارك، وجزاه عن العربية وأهلها خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته.