مسافة أقصر بين الموهبة والفرصة

كيف يمكن لمساحة متخصصة في المجتمع الإبداعي والتقني أن تقرّب المسافة بين الكفاءات السورية والشركات التي تبحث عنها، وتحول المهارات إلى فرص مهنية حقيقية؟

مسافة أقصر بين الموهبة والفرصة
أيمن البربري

بين الموهبة والفرصة مسافةٌ تبدو قصيرة، لكنها قد تحدد مسار سنواتٍ كاملةٍ من حياة الإنسان.
في إحدى جلساته الطويلة أمام الشاشة، يُعيد مصممٌ شاب في سوريا ترتيب ملف أعماله (Portfolio)، يُبدي أولوية لعرض مشروعٍ على آخر، ويوضّح مهاراته التي طوّرها خلال مدة محددة من الزمن، آملاً في العثور على فرصة يبدأ منها مسيرته المهنية.
وفي شركة تسويق، ربما على بُعد بضعة شوارع منه، وربما في بلد آخر، يبحث فريقٌ عن مصمم يمتلك حسّه البصري وقدرته على التعلم. تتوالى طلبات التوظيف، ويستمر البحث دون جدوى، فيما يبقى الشاب خارج الصورة. لا أحد من الطرفين يعرف أن ما يبحث عنه موجود بالفعل، لتتحول المسافة بينهما من رسالة ومقابلة، إلى شهورٍ من الانتظار، وقد تكون بالنسبة للشاب نفسه إعادة تفكير في جدوى البقاء بالمهنة، أو البلد كله.
هذه الصورة البسيطة تعكس تحدّياً يواجه الكثير من الشباب السوري اليوم. فامتلاك الموهبة والمهارات لا يكفي دائماً للوصول إلى فرصة عمل حقيقية، كما أن حاجة الشركات إلى الكفاءات لا تعني بالضرورة سهولة العثور عليها. وضمن بلدٍ يتفوّق على غيره في حاجة الشباب إلى بناء مستقبل مهني ومادي أكثر استقراراً، تتسع الفجوة لتتحول إلى فرصٍ ضائعة، ومهاراتٍ لا تجد مجالاً للتطور، وطاقات قادرة على الإنتاج لكنها تنتظر وتنتظر.
وبالنسبة للشباب ممن يجدون في الوظيفة الأولى فرصة لاكتساب خبرة حقيقية، واكتشاف قدراتهم ضمن بيئةٍ مهنية، والتعلّم من أشخاص سبقوهم في المجال، يصبح التركيز أكبر على "خبرة المكان"، أو بعبارة أبسط؛ مدى كفاءة واحترافية الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها ويكتسب منها خبرته.
من خلال عملي مع فرق إبداعية وتقنية في مجال التسويق الرقمي، رأيت هذا التعثر مراراً. كانت الكفاءات السورية موجودة، وكانت الحاجة إليها حقيقية، لكن الوصول بين الطرفين ظل أصعب مما ينبغي. وأحياناً كان كل طرف يبحث في المكان الذي لا يراه فيه الآخر، أو يصف ما لديه وما يحتاج إليه بلغة لا تساعد على اللقاء.
أدركت حينها أهمية وجود مساحة متخصصة تفهم طبيعة المجتمع الإبداعي والتقني، وتساعد الشركات على الوصول إلى الكفاءات التي تحتاجها، وتفتح أمام الشباب أبواباً مهنية تتناسب مع قدراتهم وتطلعاتهم، ليظهر سؤالٌ مهم: كيف يمكننا تحقيق ذلك واقعاً؟
من هنا جاءت فكرة "مواهب": أن نبني مساحة تفهم الطرفين، وتجعل التعارف المهني أكثر وضوحاً، وتمنح المهارة فرصة عادلة لأن تُرى.
تعمل "مواهب" بوصفها وكالة ومنصة توظيف متخصصة بالمجتمع الإبداعي والتقني السوري، تصل المصممين والمبرمجين وصنّاع المحتوى والمتخصصين في التسويق، وغيرها من المجالات المرتبطة، بشركات محلية وعالمية تبحث عن هذه الخبرات داخل سوريا.
وهذا التخصص هو أساس القيمة التي تميّز "مواهب" عن غيرها من منصات التوظيف. فهي لا تشمل جميع المجالات والاختصاصات، بل تركّز على القطاعات الإبداعية والتقنية التي تمتلك طبيعتها ومتطلباتها المهنية الخاصة. لتكون المنصة مساحة واسعة جامعة للجهات والكفاءات التي تتشارك الاهتمامات نفسها ضمن اختصاصات محددة تجعل عملية البحث أكثر وضوحاً للطرفين.
من ناحية أخرى، تبرز أهمية المنصة في نوعية التجارب المهنية التي يمكن أن يخوضها الشباب السوري. إذ إن العمل مع شركات محلية ذات خبرة كبيرة، وأخرى عالمية ضمن فرقٍ تجمع المحترفين والخبراء، يُتيح لهم التعرّف إلى معايير وأساليب عمل مختلفة، وتوسيع خبراتهم، وبناء علاقاتٍ مهنية تدعم تطورهم على المدى الطويل. وفي المقابل، تستطيع الشركات الوصول إلى كفاءات سورية تمتلك مهارات متنوعة، وقادرة على المساهمة في تنفيذ المشاريع وتطوير الأعمال.
وفي هذا الاتجاه، تتوضح رؤيا "مواهب" في مساعدة الباحثين عن العمل على الوصول إلى الفرص المناسبة، وتوسيع التواصل بين الأفراد والشركات. إضافةً إلى الإيمان بأن دعم الشباب يحتاج إلى طرق عملية تتيح لهم المشاركة والإنتاج، وأن إعادة البناء تبدأ أيضاً من قدرة الإنسان على إعالة نفسه، واتخاذ قراراته، ورؤية مستقبل يستحق أن يعمل من أجله.
بالتأكيد، لا تستطيع فرصة عملٍ واحدة أن تحل جميع صعوبات الحياة في سوريا، لكنها قد تعيد ترتيب حياة شخص كامل: تخفف عبئاً عن أسرته، وتمنحه استقلالاً كان يؤجله، وتُعيد إليه الثقة بأن ما يتعلمه يمكن أن يغيّر واقعه. وحين تتكرر هذه الفرص، يصبح لها أثر اقتصادي وإنساني أوسع.
لنعد الآن إلى المصمم أمام شاشته، ربما لا يحتاج اليوم إلى المزيد من المهارات بقدر ما يحتاج إلى فرصة يُري من خلالها الآخرين ما يستطيع تقديمه. يفتح الشاب ملف أعماله، لكن هذه المرة استعداداً لمقابلةٍ مع شركة تنتظر شخصاً بقدراته ومهاراته.
عند هذه اللحظة، تكون المسافة قد قصرت فعلاً، وبدأ من طرفيها طريق واحد: شركة تستطيع أن تتقدم، وشاب يستطيع أن يرى في بلده مكاناً لمستقبله.