خالد تاجا… ذلك الحزن النبيل

الرجل الذي لم يكن يمثل الشخصيات… بل كان يعيشها

خالد تاجا… ذلك الحزن النبيل
فريق التحرير

ما زالت شخصية ابن عباد تدهشني.

في كل مرة أشاهد “الزير سالم”، أجد نفسي أعود إلى ذلك الرجل الهادئ، الحكيم، الذي كان يبدو وكأنه خرج من صفحات التاريخ، لا من استديو تصوير. لم يكن أكثر الشخصيات صخبًا، ولم يكن صاحب السيف الأشهر، لكنه كان يملك شيئًا آخر؛ حضورًا يصعب تفسيره، وهيبة لا تحتاج إلى استعراض.

ثم أتنقل إلى “التغريبة الفلسطينية”، فأجد أبا أحمد، الفلاح الفلسطيني البسيط الذي حمل أوجاع الناس بصمت، واختصر مأساة شعب كامل بنظرة، أو تنهيدة، أو كلمة تخرج بصعوبة من قلب رجل يعرف أن الحياة أقسى من أن يشتكي منها كثيرًا. وهنا دائمًا أتوقف وأسأل نفسي: من كان هذا الرجل؟ وكيف استطاع أن يجعلنا ننسى أننا نشاهد ممثلًا؟ ربما لأن خالد تاجا لم يكن يؤدي الشخصيات. كان يمنحها شيئًا من روحه.

ولد خالد تاجا في دمشق عام 1939، وعاش طفولة لم تكن مترفة ولا سهلة. عرف الفقر، وعرف العمل، وعرف الشارع الدمشقي بأهله وبسطائه، وربما لهذا السبب ظل يحمل طوال حياته شيئًا من الإنسان العادي. لم يبدُ يومًا كالنجم الذي يعيش بعيدًا عن الناس، ولم يحاول أن يصنع حول نفسه هالة مصطنعة. كان يشبه أولئك الرجال الذين تصادفهم في حياتك ثم تشعر أنك تعرفهم منذ زمن طويل.

وحين دخل عالم الفن، لم يكن يبحث عن البطولة بالمعنى التقليدي. لم يكن وسيمًا على الطريقة السينمائية، ولم يكن يملك حضورًا صاخبًا، لكنه امتلك ما هو أندر من ذلك كله. امتلك الصدق.

ذلك الصدق الذي يجعل التجاعيد جزءًا من الأداء، والصمت جزءًا من الحوار، والنظرة الواحدة تروي ما لا تستطيع الصفحات أن تقوله. ولهذا لم يكن غريبًا أن يصفه محمود درويش ذات يوم بـ”أنطوني كوين العرب”.

لكنني كنت أشعر دائمًا أن خالد تاجا أكبر من المقارنات. فأنطوني كوين لم يكن يحمل هذا الحزن الشرقي العجيب. ذلك الحزن الذي لا يشبه الانكسار، وإنما يشبه الوقار. ذلك الحزن الذي تجده في وجوه الآباء، وفي عيون الرجال الذين تعبوا كثيرًا، لكنهم بقوا واقفين. ربما لهذا السبب أحب الناس خالد تاجا. لم يحبوه لأنه كان نجمًا. أحبوه لأنه كان واحدًا منهم.

كان يشبه الأب الذي نعرفه، والجد الذي نحبه، والجار الطيب، والرجل الذي يحمل كرامته بصمت. في “أيام شامية”، و”الزير سالم”، و”التغريبة الفلسطينية”، وعشرات الأعمال الأخرى، لم يكن يقدم شخصيات بعيدة عن الناس، بل كان يقدم الإنسان نفسه؛ ضعفه وقوته، كبرياءه وخوفه، حزنه وأمله. كان يعرف كيف يجعل الرجل القوي يبدو إنسانًا، وكيف يجعل الإنسان البسيط يبدو عظيمًا.

وهذه موهبة نادرة. بعض الممثلين يدهشونك بمهاراتهم. أما خالد تاجا، فكان يلامس شيئًا أعمق. كان يوقظ ذاكرتك. وأحيانًا، بينما أشاهده، أشعر أنني لا أرى ممثلًا. أرى سوريا القديمة. أرى دمشق التي عرفها جيل آبائنا. أرى رجالًا كانوا يتحدثون قليلًا، لكنهم حين يتكلمون تُصغي لهم الغرفة كلها. أرى زمنًا كانت فيه البساطة فضيلة، والوقار جزءًا من الشخصية، والحزن لا يحتاج إلى صراخ كي يُفهم. ولهذا، حين رحل خالد تاجا عام 2012، شعرت سوريا أنها فقدت شيئًا أكبر من فنان. فقدت وجهًا مألوفًا. وفقدت جزءًا من روحها. بعض الفنانين يرحلون وتبقى أعمالهم. أما خالد تاجا، فبقي شيء آخر. بقي ذلك الشعور الغريب الذي ينتابك كلما ظهر على الشاشة. شعور يشبه الحنين. وما زلت حتى اليوم، كلما شاهدت ابن عباد في “الزير سالم”، أو أبا أحمد في “التغريبة الفلسطينية”، أتساءل:

كيف استطاع هذا الرجل أن يجعلنا نصدقه إلى هذا الحد؟ ثم أعود إلى الإجابة نفسها. لأنه لم يكن يمثل. كان يعيش. ولأن بعض الناس لا يدخلون الشاشة فقط. إنهم يدخلون الذاكرة.

ويبقون فيها طويلًا، كأنهم جزء من العائلة، أو ذكرى من طفولة بعيدة، أو وجه من زمن جميل نخشى أن يرحل. وربما لهذا السبب، كلما غاب خالد تاجا عن الشاشة، أشعر أن شيئًا من سوريا القديمة يغيب معه.

وكلما عاد في مشهد قديم، أشعر أن شيئًا منها يعود.