في كل صباح تقريبًا، يفتح أبو سالم دكّانه الصغيرة في الحارة بالطريقة نفسها؛ يرفع الباب المعدني بصوتٍ يعرفه أهل الشارع جيدًا، يرش الماء أمام المحل، يضع علب المتة على الرف الأيسر، والسكر والزيت في الزاوية المقابلة، ثم يجلس لدقائق قليلة مع كأس شاي ساخن قبل أن يبدأ النهار.
لا يبدو أبو سالم رجلًا مهتمًا بالاقتصاد العالمي.
لا يتابع نشرات البورصة، ولا يعرف كثيرًا عن أسواق الطاقة، وربما لم يسمع أصلًا باسم بعض الشركات التي تتحكم بجزء كبير من التجارة الدولية. لكنه، مثل أي تاجر قديم، يملك تلك الحاسة الغريبة التي تجعله يشعر بأن “السوق ليس مرتاحًا” حتى قبل أن يفهم السبب.
قبل أيام، وصلته قائمة أسعار جديدة. نظر إليها طويلًا، رفع حاجبيه، ثم قال بصوت منخفض: “معقول رجعت ارتفعت؟”
في الحقيقة، لم يكن شيء قد تغيّر داخل الحارة نفسها.
الشارع كما هو، الزبائن أنفسهم، والسيارات ذاتها التي تعبر كل يوم. لكن ما تغيّر فعلًا كان يحدث بعيدًا جدًا عن دكّان أبو سالم… في البحر.
هناك، في مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يمر عبره جزء ضخم من نفط العالم وتجارته، كان التوتر يرتفع من جديد. الأخبار العالمية تتحدث عن احتمالات تصعيد، وشركات الشحن بدأت بالحذر، وأسواق الطاقة دخلت في حالة ترقب طويلة.
قد يبدو الأمر بعيدًا عن دمشق إلى درجة يصعب معها تخيل أي علاقة بينه وبين علبة متة موضوعة على رف خشبي في دكّان صغير. لكن الاقتصاد الحديث لم يعد يعمل كما كان في السابق. العالم لم يعد مجموعة أسواق منفصلة، بل شبكة مترابطة إلى درجة تجعل مشكلة في البحر قادرة على تغيير أسعار منتجات في أماكن لم ترَ البحر أصلًا.
المفارقة أن الأسواق لا تنتظر وقوع الأزمة فعلًا. يكفي أن تخاف.
وهذه ربما واحدة من أغرب الحقائق في الاقتصاد الحديث؛ فالكثير من الأسعار لا ترتفع بسبب نقص حقيقي، بل بسبب توقعات النقص. شركة تأمين ترفع أسعارها خوفًا من التصعيد، شركة شحن تعيد حساباتها، تاجر يشتري بحذر، مستورد يتوقع ارتفاعًا قادمًا، فيرفع السعر قبل أن يخسر لاحقًا.
وفجأة، تبدأ سلسلة كاملة من التغيّرات، ليس لأن سفينة غرقت فعلًا، بل لأن العالم أصبح أكثر خوفًا.
الخوف نفسه أصبح جزءًا من السوق.
ولهذا يشعر الناس أحيانًا أن الأسعار ترتفع أسرع من الأخبار. لأن الاقتصاد العالمي يتحرك أحيانًا بالتوقعات أكثر مما يتحرك بالواقع نفسه. يكفي أن يعتقد السوق أن شيئًا سيحدث… حتى يبدأ كل شيء بالتغيّر.
وأبو سالم، الذي ربما لا يعرف أين يقع مضيق هرمز على الخريطة، يشعر بهذه التغيّرات بطريقته الخاصة. يشعر بها حين تتأخر بعض البضائع، حين يصبح شراء المواد أكثر صعوبة، وحين يبدأ الزبائن بالسؤال نفسه كل يوم: “ليش كل شي عم يغلى؟”
السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة لم تعد بسيطة أبدًا.
في عالمٍ قديم، كانت الحارة تستهلك ما تنتجه المدينة القريبة منها، وكانت الأزمات تحتاج وقتًا طويلًا حتى تعبر الحدود. أما اليوم، فقد أصبح رف صغير في دكّان أبو سالم مرتبطًا بحركة السفن، وأسعار النفط، والطاقة، والتأمين، والسياسة الدولية، وحتى بمزاج الأسواق العالمية.
لم تعد الأشياء “محلية” بالكامل كما كانت.
حتى المتة التي يشربها الناس في صباحاتهم اليومية، قد يتدخل في سعرها البحر، والخوف، والتوتر السياسي، وحركة التجارة العالمية.
ولهذا لم يعد الاقتصاد شيئًا بعيدًا عن الناس كما يظن كثيرون. الاقتصاد ليس فقط الأرقام التي تظهر على الشاشات، ولا التقارير المعقدة التي يتحدث بها المحللون. الاقتصاد الحقيقي هو ذلك الشعور الذي يجعل أبا سالم يقول: “الوضع تغيّر…” قبل أن يعرف أحدٌ تمامًا لماذا تغيّر أصلًا.
ربما لهذا السبب أصبح فهم الاقتصاد اليوم أقرب إلى فهم العالم نفسه. لأن العالم لم يعد بعيدًا كما نظن، ولأن دكّانًا صغيرًا في دمشق قد يتأثر أحيانًا… بمضيق يبعد آلاف الكيلومترات.
