هل لاحظت يوم إن معظم أسماء الحلويات الشامية هي أسماء دلع؟ مبرومة... مدلوقة... غورة... يمكن إذا سمعت هالأسماء خارج سياق الحلويات، يخطر ببالك إن حدا عم يتغزّل بصبية حلوة. أسماء فيها نعومة، فيها دلال، وفيها حنان. حتى بتحس إن الاسم نفسه حلو، قبل ما تكون الحلوى حلوة. ويمكن من هون بالذات تبدأ الحكاية. يمكن لأن أهل الشام كانوا يعتبروا المطبخ جزءًا من حياتهم، ولأن الأكل عندهم كان فعل محبة قبل ما يكون مجرد وجبة، انعكس هالشي حتى على اللغة. فما كانت الأسماء مجرد أوصاف... كانت جزءًا من الحكاية. الحلوى ما كانت مجرد شيء ينحط على الطاولة. كانت للضيف، للعيد، للمناسبة، وللهدية التي تُرسل إلى بيت آخر. فإذا كان الأكل نفسه يحمل كل هذا القدر من المحبة، يمكن ما يكون غريبًا أن تحمل أسماؤه شيئًا منها أيضًا. صحيح أن كثيرًا من هذه الأسماء جاء من طريقة التحضير، لكن مع الزمن، ما عاد وقعها على الأذن مجرد وصف. صار فيها شيء يشبه الغزل والدلال. وكأن أهل الشام ما اكتفوا بصناعة الحلويات... دلّعوها كمان. أو يمكن في تفسير ثاني. يمكن لأن أهل الشام كانوا تجارًا بطبيعتهم. وكانوا يعرفوا، حتى قبل ما يظهر علم التسويق بالشكل الذي نعرفه اليوم، إن الاسم مو مجرد اسم. الاسم هو أول انطباع. وأول إعلان. وأول وعد. فكر فيها. شو أجمل؟ «بقلاوة ملفوفة بالفستق»... ولا مبرومة؟ «حلوى مغمورة بالقطر»... ولا مدلوقة؟ الاسم الثاني ما بيعطيك بالضرورة معلومات أكثر عن المنتج، لكنه بيعطيك إحساسًا أكثر. وهون بتبدأ قيمة الاسم. لأن الـBranding، في جوهره، مو بس شعار وألوان وتصميم. هو الشعور الذي يتكوّن في رأسك عندما تسمع الاسم. والشوام، يمكن من دون ما يسمّوه Branding، كانوا يعرفوا هذه اللعبة بالفطرة. يعرفوا أن الكلمة الجميلة جزء من التجربة. وأن الاسم، أحيانًا، يبيع قبل ما تنباع الحلوى. تخيّل حلواني شامي قبل مئات السنين، واقف في دكانه. عنده صواني مليانة فستق وسمن وقطر. ما عنده Instagram، ولا إعلان ممول، ولا وكالة تسويق. عنده حلوى... وعنده اسم. والاسم لازم يعلق. لازم ينقال بسهولة، وينحفظ، وينتقل من شخص إلى آخر. «هاتلي مبرومة.» هذه الجملة وحدها كافية. صار عندك Product Name. وصار عندك Memory. وصار عندك Word of Mouth. وكل هذا قبل ما نعرف هذه المصطلحات أصلًا. يمكن ما كان وقتها اسمه Branding. وما كان في Marketing Department. لكن كان في شيء أهم: فهم فطري للناس. فهم أن الإنسان لا يشتري دائمًا ما هو أفضل فقط... أحيانًا يشتري ما يشعر أنه أقرب إليه. والاسم جزء من هذا الشعور. لهذا ربما بقيت أسماء مثل مبرومة ومدلوقة وغورة معنا كل هذه السنين. لأنها ليست أسماء وظيفية. لها شخصية. وتحمل إحساسًا قبل أن تحمل وصفًا. ولا أدري حقيقة أي هالتفسيرات هو الصحيح. هل خرجت هذه الأسماء من طريقة التحضير؟ هل خرجت من مطبخ مليء بالمحبة؟ هل كان وراءها حس تجاري يعرف أن الاسم الجميل يبيع؟ يمكن هذا... ويمكن ذاك. لكني أحب أن أصدق أنها معًا. أن أهل الشام كانوا يحبون الأشياء الجميلة، فمنحوها أسماء جميلة. وأنهم كانوا يحبون تجارتهم، فعرفوا أن الاسم جزء من قيمة المنتج. وأنهم كانوا يحبون أكلهم، فصار حتى وصف الطعام عندهم يحمل شيئًا من الدلال. وربما لهذا بقيت هذه الأسماء. لأنها لم تكن مجرد أسماء حلويات... كانت جزءًا من التجربة نفسها. حتى اليوم، عندما تقول: «هاتلي مبرومة.» أنت لا تطلب فقط حلوى مصنوعة من عجين وفستق وسمن وقطر. أنت تستدعي صورة كاملة. دكانًا شاميًا. صينية حلو. فنجان قهوة. وضيفًا ينتظر. وبيتًا يعرف أن تقديم الحلو ليس مجرد تقديم طعام... بل طريقة من طرق قول: «أهلًا وسهلًا.» وربما هذه أجمل حملة تسويقية في تاريخ الشام. حملة لم يكتبها مسوّق، ولم تصنعها وكالة إعلانات. بل صنعتها الجدات، والحلوانية، والبيوت التي كانت تعرف أن الاسم الجميل، مثل الرائحة الطيبة، يبقى في الذاكرة طويلًا. وقبل أن يضيفوا القطر إلى الحلويات... أضافوا قليلًا من الدلال إلى أسمائها. ولهذا بقيت أسماؤها حلوة... تمامًا كما بقي طعمها. ويبدو أن أهل الشام فهموا هذه الفكرة... قبل أن نخترع كلمة Marketing.
هل اخترع الشوام الهوية البصرية؟
قراءة خفيفة في أسماء الحلويات الشامية، وكيف تحولت كلمات مثل مبرومة ومدلوقة وغورة إلى أسماء تحمل الإحساس والذاكرة والدلال قبل ظهور مفاهيم الهوية البصرية والتسويق الحديثة.

فراس عناية