المدينة المخبأة في زجاجة عطر

تأمل وجداني في الروائح التي تحفظ دمشق في الذاكرة، من الياسمين والنارنج والغار إلى الزنبق وماء الزهر، وكيف تستطيع رائحة واحدة أن تعيد مدينةً وإنسانًا كاملًا إلى الحياة.

المدينة المخبأة في زجاجة عطر
هلا خباز

لم يكن نزار قباني يبالغ حينما قال: "أن تسكن في دمشق، فكأنك تسكن في زجاجة عطر"، فدمشق ليست مدينة ترى فقط، بل مدينة تستذوق وتشم.. مدينة تستطيع أن تتعرف إليها وأنت مغمض العينين.
يكفي أن تمر نسمة ياسمين، أو أن تتسلل رائحة زهر النارنج، أو أن تفوح قطعة صابون غار، حتى تعرف أن دمشق كانت هنا... أو أنك كنت فيها يومًا.
قد تنسى شكل نافذة، أو لون بابٍ عتيق، أو أسماء الشوارع التي عبرتها، لكنك لا تنسى رائحة مدينة عاشت آلاف السنين، وما زالت تحفظ هويتها في الياسمين، والنارنج، والغار، والزنبق البلدي، وماء الزهر.
ولهذا، لا يعود زائر دمشق محمّلًا بالهدايا... بل بالروائح.
في كل زيارة، أجد نفسي أسلك الطريق ذاته. أبدأ من البزورية، وأصل إلى خان العطور، وكأن المكان يعرفني قبل أن أصل إليه.. فهناك، لا تُباع الزيوت العطرية فقط... بل تُعبّأ الذاكرة في قوارير صغيرة.
هذا يطلب ماء الزهر. وذاك يسأل عن زيت الياسمين. وثالث يبحث عن رائحة الغار. ورابع يطلب عطر الزنبق.
وأبتسم... لأنني أعرف أنهم لا يشترون عطرًا.. إنهم يشترون طريقًا مختصرًا إلى دمشق، عندما يشتد الحنين.
وهذا المشوار تحديدًا أصبح طقسًا يجمعني بأمي في كل زيارة.. ندخل المحل نفسه، بحكم الولاء للجودة وثبات الرائحة ونسأل عن الروائح نفسها، ونخرج بالأكياس نفسها بعد ساعات تمر على أجنحة اللطف.
نشتري مؤنة تكفينا للزيارة القادمة، وكأننا نخشى أن تتغير رائحة المدينة إن غيّرنا عاداتنا.. وحين نعود إلى الغربة، تبقى تلك القوارير الصغيرة مصطفة فوق الرفوف.
هي ليست للزينة.. وليست للاستعمال اليومي.. بل للحالات الطارئة.
حين يثقل القلب
وحين تضيق المسافات أكثر مما تحتمل الروح
فنفتح الغطاء قليلًا..
ونترك دمشق تتنفس في الغرفة
لا أعرف مدينة يرتبط اسمها برائحة كما ترتبط دمشق
قد تشتهر مدن بناطحات السحاب
وأخرى بالبحر
وأخرى بالثلج
أما دمشق..
فتشتهر بأنها إذا مرّت في الذاكرة.. فاحت
ولهذا ربما يختلف حنين السوري عن غيره، فنحن لا نفتقد الأماكن فقط، نفتقد رائحة البيوت صباحًا، رائحة الياسمين المتسلّق على الأسوار، ورائحة القهوة التي تمتزج بماء الزهر، ورائحة الخبز الساخن في الأزقة القديمة، ورائحة الغار التي كانت تسبق أصحابها قبل أن يطرقوا الباب.. ربما لهذا السبب يزرع السوريون الياسمين أينما ذهبوا.
ويحتفظون بقارورة ماء زهر، أو قطعة صابون غار، أو زجاجة صغيرة من زيت الياسمين، حتى لو بقيت سنوات دون أن تُستخدم.. وجودها وحده يكفي.. لأن بعض الأشياء لم تُخلق للاستعمال.. بل لتطمئن القلب حينما يجرفنا الحنين ونستشوم.
وأنا أغادر دمشق في زيارتي الأخيرة، وقبل أن أبتعد عن بيتنا بخطوات، وقعت عيناي على شتلات الزنبق البلدي المزروعة عند المدخل.
لم تكن مجرد أزهار..
كانت طريقًا مختصرًا إلى بيت عمتي، رحمها الله
تذكرت كيف كانت رائحة عطرها تصلني قبل أن أصل إلى باب منزلها
كنت أعرف أنها في الداخل قبل أن أطرق الباب
وكأن البيت كله كان يحمل ملامحها
اليوم غابت عمت...
وبقي الزنبق
وبقيت الرائحة
وأدركت في تلك اللحظة أن الروائح لا تحفظ المدن فقط..
بل تحفظ البشر أيضًا
قد تخوننا الوجوه مع مرور الزمن
وتبهت الأصوات
وتتداخل التفاصيل
لكن رائحةً واحدة..
قادرة على أن تعيد إنسانًا كاملًا إلى الحياة.
ولعل نزار قباني كان يعرف ذلك كله عندما قال إن السكن في دمشق يشبه السكن في زجاجة عطر.. لأن بعض المدن تترك في ذاكرتك صورة.. وبعضها يترك حكاية..
أما دمشق...
فتترك رائحة.
وربما لهذا السبب، لا يحتاج المغترب إلى أن يرى دمشق كل يوم...
يكفي أحيانًا..
أن يشمّها.