أدرك المجتمع الدمشقي منذ قرون أن المحتوى الجيد يسبق البيع بل ويبيع أكثر من الإعلان، وأن القيمة تسبق المقابل المادي.
أعتقد جازماً أن أسواق دمشق كانت قد اكتشفت أن المحتوى يبيع أكثر من الإعلان، وهذا حتماً مرتبط بشهرة وعراقة المدينة كأقدم عاصمة مأهولةٍ بالتاريخ، مدينةٌ كانت حاضرةً على طريق الحرير في تجارات الشرق والغرب، شيءٌ ما ساحر امتازت به عقليات مجتمعات العمل الدمشقية والشامية عموماً.
ستسألونني لماذا المحتوى يبيع أكثر من الإعلان؟؟ لنبحث عن "صناع المحتوى" الحقيقيين في تاريخ دمشق: سيكون الحكواتي أوّلهم.. لكن أُخبركم: إنه ليس الوحيد! تعالوا معي في هذه الجولة من الملاحظات والاستنباطات، المقاربات والمقارنات، لنُحلِّلها معاً ونتفكّر وأقنعكم بما لديّ.
الحكواتي
الجميع ينظر إليه على أنه راوٍ للقصص أما في الحقيقة هو لم يكن يبيع القصص بل كان يصنع سبباً للعودة غداً.. المقهى كله كان يستفيد من الرّاوي: مبيعات القهوة – الشاي – النرجيلة - الحلويات.. المحتوى كان مجانياً، والمُنتج كانت المشاريب، الاقتصاد كله كان يدور حول الحكواتي هذه هي الفكرة العبقرية حيث كان لا سبيل للتسلية إلا بالمجالسة والاستماع حينها.
أليس هذا بالضبط ما تسعى إليه NETFLIX اليوم! كل حلقة تنتهي في لحظة تشويق، حتى يُتابع الجمهور الحلقة القادمة. وYOUTUBE حينما يضع الإعلان قُبيل الانتقال لمشهد جديد مُحفِّز!
صانع الحلويات
لاحظ شيئاً.. لماذا يقدم لك قطعة بقلاوة صغيرة؟ أو لقمة مجانية؟ هو لا يبيع القطعة بل يحاول أن يكسر الحواجز، يحاول أن يجعلك تستلذّ بالتّذوّق لتتشجع وتشتري بناءً على تجربة الطعم أولاً.. بل وقد يكون بدهاءٍ مُحبّب يتّبع تلك المقولة التي سمعناها "طعمي التمّ بتستحي العين".
اليوم بعلوم التسويق الحديث ومناهج البيع المُطوّرة نُسمّيها: Free Trial، وفي مواقع الاشتراكات تحديداً اليوم نراها بقاعدة: Give Freemium to Get Premium.
العطار
هذه مدهشة جداً العطار لا يبيعك البهار مباشرةً بل يبدأ بسرد قصة وبشكلٍ عفوي مليء بالحماس، فيقول لك: "هالكركم أصلي من الهند مطحون ناعم مانه ورس!! انتبه الكل بيغشه وبيخلطه. عنا: لا!! الله وكيلك من الهند استيراد إلنا 25 سنة منجيبه من نفس المصدر" – "ممغوص؟ خود هالخلطة وادعيلي: بزمانه دكتور الهضمية الفلاني كان يمر ياخدها من عندي ويقول لي: أفيد من كوم أدوية" – "ستّي وستّك الله يرحمهن كانوا يستعملوه لحجر البيلون وقت يتغزل جدّي وجدّك بنعومة شعرهن!".
هو لا يبيع الكركم لمرة، أو الخلطة المعوية لمرة، أو حجر البيلون لمرّة واحدة.. هو يقصّ لك ما يُشعرك بالاطمئنان، هو يبيع القصة، هو يجعل من نفسه عنوانك الأول في الاحتياجات العشبية الطبيعية.
واليوم العلامات التجارية تفعل الشيء نفسه: القهوة ليست قهوة إنها قصة مزرعة ستاربكس في كوستاريكا! والعطر ليس عطراً إنه قصة مدينة باريس وجادّاتها ومقاهيها!
صانع النحاس
لا يكتفي بعرض المنتج، بل يصنعه أمام الناس. إنه صاحب العرض Showman يقوم بالطَرْق والطًَرْق وقد يُنغِّم الطَرْق أو يُزامنهُ مع جاره ليُطلقان إيقاعاً من تلك الطرَقَات ليجذبكم ويزيد من زمن مكوثكم أمامه، ولتندهشوا بكم يبيع مقابل هذه الحِرفة وهذا الاحتراف، سيغلِبُ حياؤكم عليكم ولن تناقشوه في السعر فأنتم رأيتم المهارة!
أليس هذا Reel؟ وأليس هذا نوعاً من خلف الكواليس Behind the Scenes؟ الناس لا يشترون القِدْر فقط بل يشترون مشاهدة ولادته وسيستذكرون كيف صُنع ولنْ ينسوا من أين اشتروه.
صانع البوظة
يضرب البوظة أمام الناس: يرفعها، يمطُّها يشُطُّها، يلعب بها.. لماذا؟ لكي يصنع مشهداً. والأكثر قد يُعطيك طربوشه لتلبسه على رأسك ذلك الذي يلبسه الأجداد في تاريخ وفلكلور دمشق، ويُعطيك الأداة الخشبية الصلبة لتدقّ البوظة وتجرّب "عزماتك".
وهنا يخلق لديك شعوراً ما بالانتماء لتلك الدقّات فتحسّ أنك حضّرت حصتك من البوظة لنفسك، ولن ترضى أن يشتريها غيرك أو ينالها زميلك.. إنها لك!
الخطاط
يكتب الخطاط أمام الناس، ويكتب ويكتب ويستمر، المارة يقفون يشاهدون ثم يطلبون لوحة. أو لا يُسعفهم الوقت أو الفضول للانتظار والشراء لكن يستمتعون بالفُرجة ويتمنون لو لديهم مزيد الوقت أو أن الخطاط يُسرع بطريقةٍ ما ليروا النتيجة النهائية التُّحفة! سيتخيّلون كيف سيكون شكل اسمهم!
اليوم؟ أليست مثل فيديوهات Time-lapse التي تبتدئ بتشويق خاطف Hook أوFlashback أو صورة مُصغرة Thumbnail فيها إيحاءات عن الموضوع لتشجيعك حضور الفيديو! وفي منتصفه يقومون بتسريع الفيديو ليتجاوزوا شيئاً من رتابة العملية ليوصلوك للنتيجة بعد عرض ملامح العمل.
السوق وجادّاته الفرعية
تعالوا لآخذكم إلى ملمح دمشقي مُذهل.. ملمح تكرّس حتى يومنا هذا.. أسواق دمشق ليست خطاً مستقيماً لاحظتم هذا الشيء؟؟ السوق كسوق الحميدية ومدحت باشا مثلاً مليئان بالانعطافات وكل انعطافة تكشف لك مشهداً جديداً أو تجمّعاً موصوفاً: عطّارون، سوق الصوف، نحّاسون، حلويات، مكاتب، مقاهي وخانات، أقمشة. كأن السوق نفسه مُصمّم مثل Feed في Instagram كلما تقدّمت ظهر لك محتوى جديد تُحبِّذهُ؛ تبحث عنهُ أو يفاجئك؛ أنت لا تملّ بل تستمرّ وتستمرّ أليست هذه هي Infinite Scroll؟
قد لا يكون هذا البنيان العمراني أو التكتّل المهني مقصوداً بالمعنى التقني، لكن لاحظوا معي كيف أن التتابع البصري وتنوع المشاهد يحافظان على فضول الزائر واستمراره في التجول، وهو مبدأ تستثمره اليوم 100% المنصات الرقمية بطريقتها الخاصة.
إذن يا أعزائي.. هناك فرق كبير بين التسويق بالمحتوى Content Marketing والإعلان Advertising وخصوصاً ذاك الذي ينتهي بفعل حثّ Call to Action - CTA.
الإعلان يقول لك: "اشترِِ، انضم، اغتنمْ، وفّر" أما المحتوى فيقول: "تعال سأريك شيئاً ممتعاً".
هذا ما كانت بالضبط تفعله دمشق وتجّارُها وصناعيوّها..
بل سأتجاوز هذا وأقول: يجب ألا نسمي هؤلاء صُنّاع محتوى بل: صُنّاع جمهور وهذه كلمة أنظم وأعمق لأن المحتوى لا قيمة له إن لم يصنع جمهوراً يعود مرة بعد مرة.
سأسألكم دائماً في نهاية مقالاتي: ما الذي يمكن أن يتعلمه المسوّق المعاصر من دمشق؟
