مغامرات دمشقية

ذكرى طفولة من دمشق، عن الصداقة والخيال والخوف الأول، حين تحوّل المصعد العالق إلى مغامرة بقيت في الذاكرة.

مغامرات دمشقية
رهام أحمد الحمامي

بعض ذكريات الطفولة لا تبقى في القلب لأنها عظيمة، بل لأنها كانت أول مرة نكتشف فيها وجهًا جديدًا للحياة.

وأذكر أنني كنت في الثامنة من عمري حين وقعت تلك الحادثة التي ما زالت تسكن ذاكرتي كأنها حدثت بالأمس.

كنا نسكن حيًا هادئًا تملؤه الأشجار والوجوه المألوفة. كان عالمنا صغيرًا بما يكفي لنعرف جميع سكانه، وكبيرًا بما يكفي لنشعر أنه يمتد إلى آخر الدنيا. وكانت أجمل أيامنا تبدأ بعد انتهاء المدرسة؛ حين نرمي الحقائب جانبًا، وننطلق إلى الأزقة والشوارع نبحث عن مغامرة جديدة.

كنت أحب الحياة آنذاك حبًا فطريًا لا يعرف الأسباب.

أحب رائحة التراب بعد سقي الحدائق، وصوت الباعة المتجولين، وضحكات الأطفال التي كانت تتردد بين البنايات مع آخر النهار.

وكانت لي صديقة أحبها حب الأخوات.

نسكن على بعد دقائق قليلة من بعضنا، لكنني كنت أقطع تلك الدقائق على دراجتي الهوائية وكأنني أسافر إلى مدينة أخرى. كنت أطرق باب منزلها، فتخرج إليّ بعينيها اللامعتين وابتسامتها التي تشبه صباحًا صغيرًا، ثم نمضي بقية اليوم معًا.

كنا نرسم كثيرًا.

نرسم البيوت التي نحلم بالسكن فيها، والحدائق التي نتمنى أن نملكها، والأميرات اللواتي يشبهننا أكثر مما يشبهن القصص.

وكنا نشتري عرنوس الذرة الساخن من البائع القريب، ثم نجلس على الرصيف نتقاسمه ونحن نتحدث عن أمور نظنها في غاية الأهمية، بينما هي اليوم لا تعدو كونها أحلام طفلتين صغيرتين.

أما لعبتنا المفضلة فكانت “بيت الطبشور”.

نرسم على الأرض بيتًا كاملًا بألوان زاهية؛ غرفًا ونوافذ وحديقة ومطبخًا، ثم نمشي داخله وكأنه منزل حقيقي. كنا نؤمن أن الخيال قادر على تحويل الإسفلت إلى عالم كامل، ولم يكن أحد يستطيع إقناعنا بغير ذلك.

وفي أحد الأيام، بعد ظهرٍ دافئ من أيام الصيف، ذهبت لزيارتها كعادتي.

أمضينا ساعات طويلة بين الرسم والحديث والضحك، حتى نسينا الوقت. وعندما قررنا النزول إلى ساحة البناية، دخلنا المصعد ونحن لا نزال نتجادل حول لون ستائر البيت الذي رسمناه بالطبشور.

أُغلق الباب. وضغطنا الزر. ثم توقف كل شيء.

اهتز المصعد هزة خفيفة، كأن يدًا خفية أمسكته من منتصف الطريق.

ساد صمت مفاجئ. ذلك الصمت الذي لا تسمعه الأذن فقط، بل يسمعه القلب أيضًا.

نظر كل منا إلى الأخرى. في البداية ضحكنا. فالطفولة تضحك قبل أن تخاف. ثم حاولنا الضغط على الأزرار مرة أخرى.

ثم مرة أخرى. ثم بدأ الضحك يذوب شيئًا فشيئًا. كانت المساحة الصغيرة التي تحيط بنا تضيق في أعيننا مع كل دقيقة. وأخذت الجدران المعدنية الباردة تبدو وكأنها أقرب مما كانت عليه قبل قليل. جلسنا على الأرض. لا أذكر كم مضى من الوقت، لكنني أذكر كيف كان يمر. كان يمشي ببطء شديد، كسلحفاة عجوز تحمل الزمن فوق ظهرها. وبدأنا نفكر. ذلك أن الخوف يجعل العقل الصغير يكبر فجأة. قالت صديقتي بصوت مرتجف: “هل تعتقدين أن أهلنا يعرفون أين نحن؟”

لم أعرف ماذا أجيب. فقلت ما تقوله جميع الأطفال حين يخافون: “أكيد.” لكنني لم أكن متأكدة من شيء.ثم بدأ خيالنا يركض بعيدًا. تحدثنا عن المدرسة. عن المعلمة التي ستنادي أسماءنا صباح الغد. عن المقعدين الفارغين.

عن صديقاتنا اللواتي سيتساءلن أين اختفينا. وتحدثنا عن دفاتر الرسم التي تركناها مفتوحة. وعن بيت الطبشور الذي لم نكمل رسم حديقته. وعن عرنوس الذرة الذي وعدنا أنفسنا أن نشتريه في اليوم التالي. كان كل شيء يبدو مهمًا فجأة.

حتى الأشياء الصغيرة التي لا يلتفت إليها الكبار. ثم بدأنا ننادي. مرة. ومرتين. وعشرات المرات. إلى أن سمعنا أخيرًا أصواتًا بعيدة. لا أذكر أنني فرحت بصوت بشر كما فرحت يومها. كانت الأصوات تأتي من خلف الباب المعدني كأنها قادمة من عالم آخر. وبدأ الجيران يحاولون مساعدتنا. مرت دقائق طويلة قبل أن ينفرج الباب قليلًا. وحين نظرت من الفتحة، شعرت بالخوف يعود من جديد. لم يكن المصعد متوقفًا عند الطابق. كان عالقًا بين طابقين. وكان يفصلنا عن أرضية الممر جدار إسمنتي رمادي ومسافة ضيقة لا تكاد تسمح بمرور طفل. سمعت الرجال يتشاورون. وسمعت أصوات النساء يطلبن منا الهدوء.

ثم طُلب منا أن نخرج واحدة تلو الأخرى. أذكر أنني نظرت إلى تلك الفتحة الصغيرة وشعرت أنها أضيق من أن أعبر منها.

لكنني كنت أريد الخروج أكثر من أي شيء آخر. مد أحد الجيران يده نحوي. أمسك آخر بباب المصعد. وبدأت أزحف ببطء شديد بين الحديد البارد والجدار الإسمنتي الخشن. كانت المسافة ضيقة إلى درجة أنني شعرت بأنفاسي تسبقني للخروج.

وكلما تقدمت قليلًا ازداد قلبي خفقانًا. ثم فجأة… وجدت نفسي في الخارج. تحت الضوء. في الممر الواسع. وسط أصوات الناس. وسط الحياة. وخرجت صديقتي بعدي بلحظات، ووقفنا متجاورتين لا نقول شيئًا. كأننا عدنا من رحلة طويلة لا يعرف تفاصيلها سوانا. واليوم، بعد أعوام كثيرة، ما زلت أذكر تلك الساعة أكثر مما أذكر أيامًا كاملة من طفولتي.

لا لأنها كانت مخيفة. بل لأنها علمتني للمرة الأولى أن الإنسان لا يحتاج إلى مساحة كبيرة ليشعر بالاختناق، بل إلى لحظة يظن فيها أنه وحيد. وما زلت أذكر تلك اللحظة إلى اليوم؛ لحظة انشق فيها الخوف عن فسحةٍ من الأمان، وعاد العالم فجأةً رحبًا ومضيئًا كما كان قبل أن تُغلق أبواب المصعد علينا، بل ربما أجمل.

ففي تلك اللحظة أدركت أن للحياة صوتًا لا يشبه سائر الأصوات؛ صوت الحياة وهي تعود إليك من شقٍ ضيق بين الخوف والنجاة.