تخيّل نفسك راكباً سيارة اولدز موبيل وبعد جولة شيّقة في شوارع دمشق تقف عند محطة سوكوني فاكوم في شارع البرامكة لتتزود بالوقود ثم تركن سيارتك عند بوابة قصرك التي نُُقش عليها أول حرف من اسمك ولقبك، سترتاح قليلاً ثم تفكر في ارتياد ملعب الجولف أو ملعب كرة السلة القائمين حيث تعيش ثم تقضي بعدها سهرتك في اجتماعٍ مع رجالات السياسة والاقتصاد في أحد القصور، اترك خيالك جانباً وتعال معي في رحلة إلى حي الحلبوني.
يقع حي الحلبوني في دمشق عند أرضِ عُرفت يوماً باسم بستان الأعاجم أيام المماليك وفيه محلة الخلخال إحدى جنان دمشق المنقرضة وعين ماء تُسمّى المنيبع وقد ذكرهما "أبو البقاء البدري" في كتابه نزهة الأنام في محاسن الشام (ومن محاسن الشام محلتا الخلخال والمنيبع فمحلة الخلخال بها سويقة وحوانيت وفرن وحمام وهي مسكن الأتراك وبها زاويتا الأدهمية والحضود) يجاور الحي محطة الحجاز وكان آخر اسم عُرف به هو "زقاق المنلا" إلى أن اشتراه "حسن أفندي الحلبوني" وبنى قصره فيه ثم مسجداً إلى جانبه، فأطلق على الحي الحلبوني نسبةً إليه، فمن هو حسن الحلبوني؟!
العائلة المؤسسة...
الحاج حسن بن أديب بن أحمد الحلبوني، نسبة إلى بلدة حلبون من قرى القلمون، سكن في إسطنبول ثم انتقل إلى متصرفية بيروت وعمل في تجارة الأقمشة وقد موّل بنفسه تشييد قبة النسر في الجامع الأموي بعد حريق 1893م وكان من المساهمين في بناء الخط الحديدي الحجازي حتى نال لقب (الباشوية) من السلطان عبد الحميد الثاني.
يذكر الباحث عماد الأرمشي أن قصر حسن باشا الحلبوني أقيم ما بين 1908م 1913م وقد تحول القصر فيما بعد إلى ثانوية أسعد عبد الله/ التجهيز الثانية بعد أن استأجرته وزارة المعارف السورية وكان من أبنائه عارف الحلبوني أحد أكبر تجار المنسوجات ورئيس غرفة تجارة دمشق ما بين 1922م1936م رفع خلال فترة رئاسته معروضاً باسم تجار دمشق إلى المندوب السامي الفرنسي هنري غورو، معترضاً فيه على سحب الذهب السوري إلى باريس وطباعة العملة الورقية في فرنسا ثم إلزام السوريين بها. وأسس مع الزعيم الوطني لطفي الحفار شركة مساهمة لإنشاء مشروع جر مياه عين الفيجة من وادي بردى إلى دمشق أيام رئيس الجمهورية محمد علي العابد.
أرستقراطيو دمشق وقصور الحلبوني...
تتجلى خصوصية حي الحلبوني في موقعه القريب من مركز العاصمة إضافة لوفرة مرافقه والهوية العمرانية الموحدة -إلى حد كبير- التي ساهمت في خصوصيته واختياره من قبل أرستقراطيي حي القنوات خاصة وأهالي دمشق عامة لبناء بيوتهم فيه مطلع القرن العشرين، وقد احتوى الحي على مبنى القنصلية الإنكليزية بعد الحرب العالمية الأولى وحتى أواخر الخمسينات ومقرها في شارع مسلم البارودي وكان تضم حديقة بديعة يقام فيها حفلات الرقص الإنكليزي وفعاليات لاستعراض الخيول الأصيلة واحتوت كذلك على أول ملعب للجولف في دمشق وضم الحي ملعباً لكرة السلة يتبع لنادي فتيان بدر وكانت تقام فيه أيضاً تدريبات نادي الفتيان الرياضي في أربعينات القرن الماضي.
استحوذ أسلوب القصور على هوية الحي العمرانية فإلى جانب قصر حسن الحلبوني كان هناك قصران لولديه عارف وبشير الحلبوني، إضافة إلى قصر هشام جبري وقصر الشيخ تاج الدين الحسني وغيرها وقد ساهم تصميم القصور هذا في تخفيف درجات الحرارة المرتفعة في فصل الصيف فيما انعكس على برودته في الشتاء ويشير الباحث عماد الأرمشي في موسوعة دمشق الشام إلى مرور أحد فروع نهر القنوات تحت بيوت الحلبوني وهو السبب في حدوث (نزيز) بارد ورطوبة في جدرانها أثناء فصل الشتاء
مرحلة التأقلم وصراع السنين...
لم يعد حي الحلبوني اليوم كما كان، إذ خلّفت السنوات بصماتها فيه وعرفت دمشق بعده أحياء حديثة زحف نحوها مهووسوها لكنّ الحي الذي يحفظ أهله بعضهم عن ظهر قلب، نجح بما فشلت به معظم أحياء العاصمة فحافظ على نسيجه الاجتماعي واختار لجيرته مهنة الكتب فجعل من غزو المحلات التجارية للأحياء السكنية ميزة استثمرها في زيادة خصوصيته وكأنه أراد لرائحة الكتب أن تمتزج بندى جدرانه العتيقة وعبق أشجاره المورقة فيهب دمشق عطراً فريداً يسميه العابرون (عطر الحلبوني).
المراجع
لطفي الحفار (1954). ذكرياتي
حسن الحكيم (1965). مذكراتي
لطفي الحفار (1954). ذكرياتي
نزهة الأنام في محاسن الشام. لأبي البقاء البدري
موسوعة دمشق الشام. الباحث عماد الأرمشي
