حين تصبح العودة وطنًا مؤجلًا

حكاية جيلٍ عاش على وعد العودة، وحمل الوطن في قلبه أكثر مما حمله في أوراقه الرسمية.

حين تصبح العودة وطنًا مؤجلًا
هلا خباز

"أنتِ مولودة هون وما عندك الجنسية؟"

سؤال يبدو بسيطًا. لكنه من أكثر الأسئلة التي تحتاج إلى عمر كامل كي نجيب عنها. في كل مرة يُطرح عليّ هذا السؤال أتردد قليلًا. كيف أشرح حكاية لا تملك تفسيرًا منطقيًا واضحًا؟ كيف أشرح أن والدي الذي أمضى أكثر من ستين عامًا من عمره هنا، كان يستطيع في أكثر من محطة أن يمنحنا فرصة مختلفة للحياة، لكنه لم يفعل؟

ولسنوات طويلة كنت أحمّله المسؤولية.. كنت أتساءل بيني وبين نفسي: لماذا ضيّع الفرصة؟ ولماذا لم تكن القوانين أكثر إنصافًا مع أناس عاشوا أعمارهم كلها في المكان نفسه؟ لكن السؤال الذي كان يلاحقني دائمًا هو: لماذا يا أبي؟

وحين سألته، لم أجد جوابًا مقنعًا. كان جوابه يشبه أجوبة آلاف المغتربين الذين سبقوه: "كنا مفكرين إنها كم سنة ومنرجع."

كم سنة... عبارة صغيرة اختصرت أعمارًا كاملة. كم سنة تحولت إلى عقود. وعقود تحولت إلى حياة كاملة. حياة كاملة من الصراع مع الهوية.. ومع ذلك ظلّ الكثيرون يعيشون على فكرة أنهم ضيوف مؤقتون، حتى وهم يدفنون آباءهم وأحلامهم في البلاد التي عاشوا فيها.

وفي إحدى الجلسات الطويلة مع نفسي، وأنا أحاول أن ألمّ شتات هويتي الموزعة بين أكثر من مكان، بدأت أبحث عن عذر يخفف شيئًا من اللوم الذي حملته لوالدي سنوات طويلة، وفجأة وجدته.. في صورة طفل غادر بيته صغيرًا، في شاب ابتعد عن أمه وأخوته وأزقة طفولته، في رجل كان يخاف أن يقطع آخر خيط يربطه بالمكان الأول.

ربما لم تكن الوثائق بالنسبة له مجرد أوراق، ربما كانت آخر شاهد على أنه ينتمي إلى هناك، آخر دليل على أن الطريق ما زال مفتوحًا.. وآخر وعد بالعودة.

"الحنين وجع لا يحن إلى وجع" كما قال الأديب الفلسطيني الراحل محمود درويش، وربما لهذا السبب يتمسك المغترب بأشياء لا يفهمها الآخرون؛ جواز سفر قديم، وثيقة منتهية، صورة باهتة، مفتاح بيت لم يعد موجودًا..

كما تغنت المطربة السورية أصالة نصري باللهجة الشامية فأبكتنا: "بخزانتي صندوق صارلو عمر عندي.. جواته في كمشة صور وزرار وحكايات.. لافتحو من جديد بدي ومابدي.. من خوفي لا يوعي البكي ويسكت الضحكات."

تمامًا لأن هذه الأشياء لا تمثل الماضي فقط، بل تمثل احتمال العودة، حتى لو كانت عودة مستحيلة.

الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار كان يقول إن الإنسان لا يسكن المكان فقط، بل يسكنه المكان أيضًا..

وربما هذه هي المعضلة كلها، فالمغترب لا يغادر وطنه بالكامل.. يحمله معه، في لهجته، في طعامه، في أغانيه، وفي أسماء أبنائه.. فيغدو الوطن جزءًا من تكوينه النفسي أكثر من كونه بقعة جغرافية.

كبرنا نحن أبناء تلك الأحلام المؤجلة، أحلام آبائنا. كبرنا لنكتشف أن الآباء كانوا يعيشون بين عالمين؛ عالم يبنون فيه حياتهم، وعالم آخر يحتفظون به في قلوبهم.. كانوا يزرعون جذورهم هنا، لكن عيونهم ظلت تنظر إلى هناك.

وأتذكر في هذا الموضع أغنية فيروز: "راجعين يا هوى راجعين"

وأفكر أحيانًا أن جيلاً كاملاً عاش داخل هذه الأغنية. لم يكن يغنيها بوصفها أغنية، بل بوصفها خطة حياة، ووعدًا شخصيًا، ومشروعًا مؤجلًا.

ولأن بعض الرحلات لا تنتهي بالعودة، بل تتحول إلى فكرة، إلى حلم، وإلى حالة شعورية أكثر منها حدثًا حقيقيًا.. لم أعد اليوم غاضبة من أبي كما كنت سابقًا. أظن أنني بدأت أفهمه.

فهو لم يضيّع الفرصة لأن الأمر لم يكن مهمًا بالنسبة له، بل ربما لأنه كان يخشى أن يخسر آخر ما يربطه بالحلم. آخر خيط حرير يمتد بينه وبين المكان الذي خرج منه صغيرًا.

ربما كان جواز السفر بالنسبة له صندوقًا صغيرًا للحنين. كلما اشتد عليه الشوق فتحه. وكلما شعر بالغربة تذكر أنه ما زال قادرًا على العودة. حتى لو لم يعد.