ولا نحن من هناك

حين يتحوّل الحب لوطنٍ ما… إلى سؤال عن الهوية

عن أطفال الاغتراب الذين كبروا بين أكثر من وطن، وحاولوا طوال حياتهم فهم أين ينتهي الانتماء… وأين يبدأ الشعور بالذنب.

أبناء الاغتراب

ولا نحن من هناك
هلا خباز

بدأت الحكاية منذ الطفولة.

من زمنٍ لم تكن فيه الحدود مفهومة بعد، ولا ألوان جوازات السفر تحمل أي معنى حقيقي.

كان الجميع يبدو متشابهاً:
اللهجات نفسها، الأغاني نفسها، الضحكات نفسها، والصيف نفسه الذي يجمع أبناء العائلة القادمين من أماكن مختلفة.

إلا نحن.

كنّا نأتي من شيء لا يشبه الجغرافيا تمامًا.

شيء يسميه الجميع:

"غربة"

بينما كنّا نسميه:

"ألفة… وحنين."

حين يصبح العلم سؤالًا

في طفولتنا، كنّا نندفع بعفوية لنرفع العلم الأخضر في أي أغنية وطنية أو احتفال مدرسي.

لكن البراءة كانت تصطدم أحيانًا بجملة صغيرة وقاسية:

"لكنها ليست بلدكم."

حينها فقط يبدأ الارتباك.

كيف يمكن لمكان نسكنه… ويَسكننا… ألا يكون وطنًا؟

كبرنا لاحقًا، وتعلّمنا أن نخفف من إعلان حبّنا للمكان الذي احتوانا، حتى لا نتهم بالجحود، أو نُواجَه بجملة:

"اللي ما يفتخر بأصله ماله أصل."

لكن الحقيقة لم تكن يومًا إنكارًا للأصل.

كانت شيئًا أكثر تعقيدًا وإنسانية.

"لم نكن نرفض جذورنا… بل كنا نحاول فهم كيف يمكن لقلبٍ واحد أن يحمل أكثر من وطن."

أزمة أبناء الاغتراب

هذه ليست حكاية فردية. بل حكاية جيل كامل من أبناء الاغتراب.

الأطفال الذين كبروا وهم يحملون أكثر من وطن داخل قلوبهم، لكنهم لم يشعروا يومًا أن أيًّا منهما يعترف بهم بالكامل.

يولدون في مكان، ويرثون مكانًا آخر، ثم يكبرون وهم يُحاسَبون على درجة الحب التي يمنحونها لكل واحد منهما.

ولهذا تصبح الأسئلة البسيطة مؤلمة بشكل غير متوقع:

"من وين أنت بالأصل؟"
"ليش ما بتحكي بلهجتك؟"

أسئلة تبدو عادية… لكنها قادرة على دفع الإنسان خارج الدائرة فجأة، وكأن كل السنوات التي عاشها أصبحت غير مرئية.

أطفال الثقافة الثالثة

علم النفس الحديث يصف هذه الحالة بمصطلح:

“Third Culture Kids”
أو “أطفال الثقافة الثالثة”.

وهم الأطفال الذين ينشؤون بين ثقافتين أو أكثر، فلا يشعرون بانتماء كامل لأي واحدة منها.

يكبر هؤلاء وهم يملكون قدرة عالية على التكيّف، لكنهم يعانون طويلًا مع سؤال الهوية.

لا يعرفون كيف يجيبون عن سؤال:

"من أين أنت؟"

لأن الإجابة بالنسبة لهم ليست اسم دولة فقط.

بل سيرة طويلة من المشاعر والذكريات واللغات واللهجات المتداخلة.

ويقول إدوارد سعيد:

"كلما تعددت الأمكنة داخلك، أصبح تعريف نفسك أكثر صعوبة."

الوطن بوصفه شعورًا

ربما لهذا يبدو أبناء الاغتراب أكثر حساسية تجاه فكرة الوطن.

إنهم لا يرونه مجرد حدود سياسية، بل يعيشونه في التفاصيل الصغيرة جدًا:

في لهجة تشبه صوت الأم، في رائحة القهوة، في الأغاني القديمة، في الأعياد،
وفي تلك الطمأنينة الغامضة حين يسمعون كلمة:

"أهل."

ولهذا كانت أغاني فيروز تؤلم بطريقة مختلفة.

وكأنها تعرف تمامًا ماذا يعني أن يشتاق الإنسان إلى مكان… لا يعرف إن كان يحق له أن يشتاق إليه بهذا القدر.

"أنا من هناك… ولي ذكريات."
— محمود درويش

المشكلة ليست فيهم

المؤلم في حكاية أبناء الاغتراب أنهم يقضون أعمارهم محاولين إثبات شيء لا يجب إثباته أصلًا.

يحاولون طمأنة الجميع أنهم لم يخونوا أوطان آبائهم، وفي الوقت نفسه يعتذرون بصمت عن حبهم للأماكن التي منحتهم الحياة.

وفي النهاية يكتشفون أن الأزمة لم تكن فيهم يومًا.

بل في الفكرة الضيقة التي تختزل الوطن في ورقة، والانتماء في إجابة قصيرة.

"نحن لم نكن بلا وطن… بل كنا نملك قلبًا أوسع من أن يتسع لوطنٍ واحد فقط."

ويقول محمود درويش:

"الغريب ليس من ابتعد عن وطنه… بل من ابتعد الوطن عنه."

وربما كانت مأساة أبناء الاغتراب أنهم قضوا حياتهم كلها… يحاولون إقناع الأمكنة أنهم أبناؤها أيضًا.