منذ آلاف السنين، وهذه المدينة لا تتوقف عن إنجاب القصص؛ قصص العابرين، والتجّار، والعلماء، والمنفيين، والعشّاق، والغرباء الذين دخلوا من أبوابها السبعة ثم خرجوا وهم يحملون شيئاً منها إلى الأبد.
ولهذا، حين كتب ابن عساكر كتابه الشهير تاريخ دمشق، لم يكن يؤرخ لمدينة بقدر ما كان يحاول إنقاذها من النسيان. كان يعرف، ربما أكثر من كثيرين في زمنه، أن المدن لا تفنى حين تسقط جدرانها، بل حين تضيع ذاكرتها.
ولو عاد ابن عساكر اليوم، بعد ما يقارب تسعة قرون، ومشى تحت قناطر سوق الحميدية، فربما لن يتعرف إلى الوجوه، ولا إلى الأصوات، ولا إلى رائحة الزمن نفسها. سيجد مدينةً أرهقتها الحروب، وأتعبها الفقد، ومرّ عليها من التعب ما يكفي لإسكات مدنٍ كاملة. لكنه، على الأرجح، سيلاحظ شيئاً آخر أيضاً: أن دمشق ما تزال تقاوم بطريقتها القديمة نفسها.
سيجلس في مقهى صغير قرب الجامع الأموي، ويراقب الناس بصمت المؤرخين. سيرى شاباً يحمل هاتفاً بدلاً من دفاتر الورق، لكنه يطارد الحلم ذاته الذي طارده التجّار القدماء حين مرّوا من هنا ذات يوم. وسيسمع نقاشات عن المشاريع، والسفر، والاقتصاد، والفرص الضائعة، وربما سيكتشف أن المدينة ما تزال تنتج الأفكار حتى وهي تتعب.
وربما سيدهشه أن القوافل لم تختفِ فعلاً. فدمشق التي كانت محطةً على طريق الحرير، ما تزال حتى اليوم ممراً للأشياء الثمينة، لكن البضائع تغيّرت. لم تعد القوافل تحمل الحرير والتوابل، بل صارت تحمل الأفكار، والصور، والموسيقى، والمحتوى، والقصص التي يعبر بها السوريون نحو العالم.
ولو أراد ابن عساكر أن يكتب “تاريخ دمشق” اليوم، فلن تكفيه المخطوطات وحدها. سيحتاج إلى أرشيف من الأصوات، وإلى كاميرات تحفظ ملامح الناس، وربما إلى بودكاست طويل يجلس فيه أبناء المدينة ليحكوا عن خساراتهم الصغيرة، وأحلامهم المؤجلة، وعن تلك القدرة الغامضة التي تجعل دمشق تعود للحياة مهما انطفأت.
فالتاريخ، في حقيقته، ليس تاريخ السلاطين وحدهم. التاريخ الحقيقي يسكن عند بائع القهوة الذي يفتح متجره كل صباح رغم الخسارات، وعند المرأة التي تزرع الياسمين على شرفتها كأن الحرب لم تمرّ من هنا، وعند شاب يحاول تأسيس مشروع صغير في مدينة تعبت من الانتظار.
وربما لهذا السبب يبدو كتاب “تاريخ دمشق” عملاً استثنائياً حتى اليوم. لأن ابن عساكر لم يكتب مدينةً مثالية، بل كتب مدينةً حيّة. مدينةً مليئة بالبشر، بأخطائهم، وأحلامهم، وخلافاتهم، وأحاديثهم اليومية. ولهذا بقي كتابه حيّاً بعد كل هذه القرون، لا بوصفه مرجعاً تاريخياً فحسب، بل بوصفه ذاكرة كاملة لمدينةٍ كانت تعرف كيف تصغي إلى ناسها.
لقد أمضى ابن عساكر سنوات طويلة وهو يجمع الأخبار والروايات والأسماء، حتى خرج كتابه في عشرات المجلدات، أشبه بمدينةٍ أخرى مبنية من الورق. ولم يكن يدرك، على الأرجح، أن ما فعله سيتحوّل لاحقاً إلى أحد أعظم الأراشيف الحضارية التي كُتبت عن مدينة في التاريخ الإسلامي.
واليوم، حين ننظر إلى دمشق الحديثة، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: من يكتب ذاكرة المدن الآن؟ ومن يحفظ أصوات الناس العاديين قبل أن تبتلعها السرعة الهائلة لهذا العالم؟
ربما تغيّرت الأدوات، لكن الحاجة إلى الحكاية لم تتغير أبداً. وما يزال الإنسان، منذ أول قافلة مرّت من دمشق وحتى آخر منشور كُتب عنها على الإنترنت، يحاول أن يفعل الشيء نفسه: أن يترك أثراً صغيراً يقول إنه كان هنا.
وربما لهذا بالذات، لو عاد ابن عساكر اليوم، فلن يبدأ كتابه من أبواب دمشق ولا من أسواقها، بل من ناسها. لأنه سيكتشف، كما اكتشف قبل تسعمئة عام، أن المدن العظيمة هي انعكاس أهلها
