في بيتنا قنطرة

مزمار الحي لا يُطرب

كيف اعتاد السوريون على الجمال التاريخي المحيط بهم حتى فقدوا قدرتهم على رؤيته، ولماذا تصبح المسافة أحيانًا ضرورية لاكتشاف قيمة المكان.

ذاكرة الشام

في بيتنا قنطرة
معاذ الحمامي

في حالتنا السورية الغريبة، أشعر أحيانًا أن أكثر ما خسرناه عبر السنوات الطويلة… قدرتنا على رؤية ما نملكه فعلًا.

كبرنا داخل أماكن عظيمة دون أن يخطر على بالنا أنها عظيمة.

أعود بذاكرتي كثيرًا إلى بيتنا العربي القديم في دمشق.

أتذكر كيف كان الكبار يتحدثون دائمًا عن منع الترميم أو إعادة البناء، وعن “إشارة أثرية” موضوعة على البيت.

كنت أسمع تلك الكلمات ببرود طفل لا يفهم شيئًا من العالم.

كان كل ما يشغلني وقتها:
لماذا لا نستطيع إصلاح الجدار؟
ولماذا يبدو البيت متعبًا أحيانًا رغم جماله؟

لاحقًا فقط فهمت.

فذلك البيت الذي عشنا داخله بشكل طبيعي… كان يشبه الأماكن التي يسافر الناس من آخر الدنيا ليشاهدوها.

القناطر،
الأرضيات،
الخشب القديم،
الضوء الداخل من أرض الديار،
رائحة الياسمين المختلطة بالرطوبة والحجر العتيق…

كل ذلك كان يمر أمام أعيننا كجزء عادي من الحياة اليومية.

"كنا نعيش داخل الذاكرة… دون أن نشعر."

وربما هذه ليست قصة بيتنا فقط، وإنما قصة السوريين مع بلادهم كلها.

في دمشق مثلًا، تستطيع أن تمشي خمس دقائق فقط… فتنتقل بين قرون كاملة من التاريخ.

باب روماني،
فوقه أثر عثماني،
بجانبه حارة مملوكية،
وفي آخر الطريق مسجد أو كنيسة أو بيت عمره مئات السنين.

بينما الناس تمر بجانب كل ذلك وهي مشغولة بلقمة العيش، أو بطريق العودة إلى البيت، أو بثقل الأيام.

كأننا اعتدنا المعجزة… حتى فقدت قدرتها على إدهاشنا.

حين يصبح الجمال مألوفًا

أفكر أحيانًا كيف يرى الغريب هذه البلاد.

كيف يتوقف طويلًا أمام حجر صغير، أو نافذة خشبية، أو قوس قديم… بينما أهل المكان أنفسهم يعبرون المشهد دون انتباه.

ربما لأن الإنسان حين يعيش طويلًا داخل الجمال… يتوقف عن رؤيته.

والسوري خلال عقود طويلة، عاش منهكًا أكثر مما عاش متأملًا.

الحياة كانت أثقل من أن تترك مساحة واسعة للدهشة.

الناس كانت تفكر بالنجاة،
بالاستمرار،
بتدبير اليوم التالي…

أكثر من تفكيرها بما تحمله هذه البلاد أصلًا من قيمة هائلة.

ولهذا صرنا نعامل أشياء استثنائية وكأنها تفاصيل عادية.

كم مرة جلسنا في بيت عربي قديم دون أن نفكر أن هذا المكان يحمل ذاكرة مدينة كاملة؟

كم مرة مررنا في سوق عمره مئات السنين وكأنه مجرد شارع مزدحم؟

كم مرة شممنا رائحة الياسمين الدمشقي دون أن نتوقف للحظة كي نفهم أن مدنًا كاملة حول العالم تحاول صناعة هوية تشبه هذه التفاصيل الصغيرة؟

"مزمار الحي لا يُطرب."

وصف دقيق لعلاقتنا بما حولنا.

المدن التي تعرف قيمة ذاكرتها

الأماكن التي بدت لنا عادية… كانت بالنسبة لغيرنا حلمًا كاملًا.

وحين تسافر، ترى مدنًا تبني هويتها كلها على شارع قديم، أو نافذة أثرية، أو قصة صغيرة من تاريخها.

بينما نحن عشنا وسط طبقات مذهلة من الحضارة… دون أن نلتفت إليها كما يجب.

التعب الطويل يجعل الإنسان يفقد حسّه تجاه الأشياء القريبة منه.

وهذا ما حدث معنا إلى حد بعيد.

لكن ربما الوقت اليوم مختلف قليلًا.

ربما حان الوقت كي ننظر إلى هذه البلاد بعين جديدة.

أن نرى دمشق أكثر من مدينة نعيش فيها.

أن نرى حلب أكثر من مدينة متعبة.

أن نفهم أن هذه القناطر، والأبواب، والأسواق، والحجارة القديمة، لم تكن مجرد بقايا من الماضي…

بل روح كاملة لا تزال تعيش بيننا حتى الآن.

"سوريا لم تكن تحتاج منّا كل هذا الوقت… سوى أن نراها فعلًا."

الإصغاء إلى صوت المكان

أحيانًا أشعر أن سوريا لم تكن تحتاج منّا طوال هذه السنوات سوى شيء بسيط جدًا:

أن نمنحها تلك النظرة التي يمنحها الغريب لمدينة يكتشفها للمرة الأولى.

أن نمشي في أحيائها بدهشة حقيقية.

أن نصغي إلى صوت المكان قبل أن يختفي من ذاكرتنا.

فبعض النعم تبقى معنا طويلًا… إلى درجة أننا نتوقف عن الإحساس بها.

وربما بعد كل ما حدث…

حان الوقت أخيرًا كي نصغي إلى مزمار حيّنا… ونطرب له من جديد.

"بعض المدن لا تحتاج إلى أن تُبنى من جديد… بل إلى أن تُرى من جديد."