دكان وجنتان

الرجل الذي صنع من الرمان ذاكرةً لدمشق

عن بائع عصير دمشقي حوّل دكانه الصغير قرب الجامع الأموي إلى مساحة من البهجة والحنين وروائح الشام القديمة.

ذاكرة الشام

دكان وجنتان
محمد مصطفى موسى

كان يرفع غلق دكانه القديم كل صباح ويردد الجملة نفسها:

"سبحان من قسم الأرزاق ولا ينسى من فضله أحداً."

لم تكن مجرد عادة. كانت يقينًا راسخًا ممتلئًا بالرضى. وجهه “رحماني” كما يقول أهل دمشق عن الوجوه التي تمنحك إحساسًا فوريًا بالقرب والألفة. لحيته البيضاء تشبه صباحًا ربيعيًا من صباحات الشام، تحمل كل ما فيها من سكينة وأمل.

"بعض الوجوه لا تبدو كأشخاص… بل كأماكن دافئة."

جنة صغيرة قرب الجامع الأموي

في حارة النوفرة، الملتصقة بظل الجامع الأموي، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت الحكواتي ووقع أقدام الخارجين من الصلاة… صنع جنته هناك.

في مساحة لا تتجاوز مترين، كان يعرف فاكهة دمشق كما يعرف أبناءه. يحفظ مولدها، وشبابها، وشيبها. كانت الرمانات في يده تبدو كلوحة:

حبّات متراصة كحقل شقائق نعمان مكتظ، لا بياض فيه، ولا لون يطغى على ذلك الأحمر الخمري المتوهج.

أما البرتقال الماوردي، بحبّاته الصغيرة المعطّرة بالمسك، فكان أشبه بعطر ينشره في الأزقة القديمة.

"ماورد ورمان… عائلة لونية واحدة تنتج طعمًا أعقد من أن يُوصف."

لم يكن يقيس النسب، ولا يزن النكهات. إحساسه وحده كان البوصلة. وكان كأس العصير في يده يشبه دمشق نفسها: بسيطًا في شكله… عميقًا في أثره.

حين يصبح الشتاء طقسًا

ومع رحيل موسم الرمان، حين تسمح الأشجار لأوراقها بالرحيل… كانت الجنة تتغير. طنجرة كبيرة تملأ الدكان بالبخار والعطر. حبوب الشمر واليانسون تقارع برد الأزقة، وكأس السحلب برشة جوز هند يدعوك أن تدفئ عظامك قبل يديك. كما أتقن البهجة صيفًا بالرمان والماورد… أتقنها شتاءً بما هو أبسط وأعمق. وهكذا علّمته دمشق، كما علّمت أهلها جميعًا:

"أن البهجة لا تحتاج الكثير."

قد تكون فاكهة صبّار في ليلة صيف عليلة. أو صحن فول نابت بالملح والكمون في ليلة شتاء قارس.

المدينة التي تصنع الفرح من الأشياء الصغيرة

بسيطة هي دمشق… كألوان القباقيب والحلوى المنثورة على أطراف شوارعها. وعميقة… كقدرتها على صناعة المشمش المسكي والبرتقال الماوردي. ولهذا لم يكن دكان الرجل مجرد محل عصير.

كان امتدادًا لذاكرة مدينة كاملة. مكانًا تختبئ داخله رائحة المواسم، وأصوات الأزقة، وحكايات الناس البسطاء الذين صنعوا روح الشام دون أن يكتب أحد أسماءهم في الكتب.

"دمشق لا تعيش فقط في أبنيتها القديمة… بل في الناس الذين يشبهونها."

صورة أخيرة

وفي النهاية، لا يبدو النص كله سوى محاولة للاحتفاظ بصورة. صورة رجل وقف طويلًا خلف برّاد العصير… في جنته الصغيرة التي كانت تشبه وجهه الجميل.

"أحيانًا، يكون أجمل ما نملكه عن الناس… هو الطريقة التي نتذكرهم بها."