ببساطة …
كثيرًا ما نسافر بحثًا عن الجمال؛ مناظر خلابة، شواطئ فيروزية، وجبال تعانق السماء. نصل، نُبهر، نلتقط الصور، ثم بعد أيام قليلة نشعر بالملل. نعم، الملل وسط كل هذا الجمال.
في المقابل، هناك أماكن لا تملك مقومات “الوجهة المثالية” بالمعنى التقليدي؛ لا فنادق فاخرة، ولا خدمات استثنائية، وربما لا خدمات على الإطلاق. ومع ذلك، تصل إليها وتشعر أنك لا تريد المغادرة. تشعر أن روحك تُشحن من جديد.
سألت نفسي كثيرًا: لماذا نذهب إلى بلد مذهل بكل المقاييس، نستمتع به قليلًا ثم نشعر بالرتابة، بينما نذهب إلى أماكن أخرى ونتمنى لو يتوقف الزمن؟
والجواب الذي توصلت إليه بسيط وعميق في آن واحد: الناس.
نعم، الناس هم من يصنعون الجنة. الدفء الإنساني، والثراء الثقافي، وتلك اللحظات العفوية التي تجمعك بشخص غريب، ربما لثوانٍ معدودة، لكنها تُحفر في الذاكرة كأنها عمر كامل. ابتسامة صادقة من بائع على جانب الطريق، حديث عابر مع جارك في المقهى، ضحكة أطفال في زقاق ضيق… هذه هي اللحظات التي تصنع المعنى.
"المناظر الطبيعية تُبهر العين… أما الناس فيُبهرون الروح."
البساطة ليست نقصًا، وإنما غنى من نوع آخر.
حين تكون الحياة بسيطة، يصبح الإنسان أكثر حضورًا. لا شاشات تسرق الانتباه، ولا رفاهية تُخدّر الإحساس. فقط أنت، واللحظة، والناس من حولك. وفي تلك اللحظة تدرك أن الجنة ليست مكانًا جغرافيًا، وإنما طاقة. طاقة تمنحك إياها الثقافة، والأصالة، والعلاقات الإنسانية الحقيقية.
لطالما آمنت أن الرحلة ليست عن الوجهة، وإنما عن الطريق إليها. عن القصص التي تولد في الطريق، وعن المفاجآت التي لم تكن في الخطة، وعن الوجوه التي لم تكن تعرفها صباحًا وأصبحت جزءًا من ذاكرتك مساءً.
المناظر الطبيعية تُبهر العين، أما الناس فيُبهرون الروح.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين صورة جميلة تنساها بعد أسبوع، وذكرى دافئة تعيش معك إلى الأبد.
وهو تمامًا ما ينطبق على حقيقة أن ألذ طعام هو ذاك الذي تطهوه أمك. هذا شعور يكاد يكون عالميًا، رغم أنه ليس واقعيًا بالضرورة. لكن ارتباط ذلك الطعام بالمحبة، وبالطاقة التي تضعها في كل ما تحضره لك، هو ما يؤثر على حكمك بأنه ألذ وأطيب طعام على الإطلاق.
"بعض الأماكن لا تُدهشك بفخامتها… بل بالطريقة التي تجعلك تشعر فيها أنك في بيتك."
وفي عشقنا لسوريا، لا نبحث عن الأجمل بالمطلق، وإنما نبحث، ويبحث كل من يزورها، عن دفء المكان الذي يجعلك تشعر أنك في بيتك الذي لم تزره من قبل.
تفتقر البلاد إلى كثير من المقومات، ونفتقد أشياء كثيرة، لكن دفء التواصل الإنساني، على بساطته، كان وما يزال أحد أهم أسباب نوبات الحنين التي تجتاحنا في غربتنا، وتجعل من زارها يرغب بالعودة إليها مرة أخرى.
ولعل ما ساهم في أن تكون دمشق أقدم عاصمة مأهولة في العالم هو هذا السر السهل الممتنع؛ التواصل الإنساني العفوي والأصيل.
والحفاظ عليه لا يقل أهمية عن الحفاظ على أي مقوم من مقومات الحياة في هذه البلاد.
