طيات الخبرة والحضارة

عبقرية الفولاذ الدمشقي

كيف تحوّل الحديد القادم من الهند إلى أحد أعظم أسرار الحضارة الدمشقية، ولماذا بقي الفولاذ الدمشقي رمزًا لعبقرية مدينة صهرت العالم داخل ذاكرتها؟

حضارة · ذاكرة · فولاذ

طيات الخبرة والحضارة
محمد مصطفى موسى

منذ عشرة آلاف عام سكنت دمشق.

ليست مبالغة شاعرية، بل رقم تؤكده اليونسكو التي صنّفت دمشق القديمة عام 1979 ضمن التراث العالمي، وتشير وثائقها إلى استيطان يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد على أقل تقدير، فيما تكشف الحفريات الأثرية عن آثار إنسانية تسبق ذلك بكثير. وعلى مرّ تلك السنين لم تُترك دمشق في سلام طويل. توالت عليها الاحتلالات والاستعمارات كما تتوالى موجات البحر على صخرة راسخة. الآراميون أسسوا مملكتهم فيها في الألف الثاني قبل الميلاد، ثم جاء الآشوريون والبابليون والفرس. وفي عام 333 قبل الميلاد دخلها الإسكندر الأكبر، فالسلوقيون، فالرومان الذين جعلوا منها مدينة كبرى في القرن الأول الميلادي. ثم البيزنطيون، ثم الفتح الإسلامي عام 635 للميلاد الذي حوّل دمشق إلى عاصمة الأمويين وقلب العالم الإسلامي.

استطاعت دمشق بعبقرية فريدة أن تهضم كل هذه الموجات وتصنع منها هوية لا تشبه أيًّا منها، بل تحمل في جوفها أثرهم جميعاً.

لم تستسلم لأحد ولم تتجمّد في حدود زمن واحد؛ بل فعلت ما هو أصعب وأعمق:

أذابت الغازي وجعلته جزءًا من نسيجها، وجعلت من الاحتلال إضافة، وأضافت كل غازٍ جديد كطبقة من طبقات ذاكرتها الحية.

"لم تقاوم دمشق الحضارات… بل صهرتها بصبر حدّاد ينتظر ذوبان الحديد."

حين تحوّلت الحضارة إلى معدن ولعل هذه القدرة الاستثنائية في الإذابة والهضم وإعادة التكوين كانت في جينات الدمشقيين ووجدانهم قبل أن تكون حكمةً مكتسبة. وربما كانت هذه الميزة هي البوابة التي منها ولجوا إلى أشهر صناعة عرفها تاريخ المعادن. والحقيقة أن قصة الفولاذ الدمشقي مثال آخر على كيف تأخذ دمشق أفضل ما في حضارة وتُعيد صياغته بطريقتها.

كان الهنود يصنعون منذ القرن الثالث قبل الميلاد ما عُرف بـ"فولاذ الوتز"، وهو حديد فائق الكربون يُصنع في بوتقات مختومة، كانت مقاييسه تفوق كل ما عرفه العالم القديم.

وعبر البحر العربي وطرق التجارة القديمة وصلت سبائك الوتز إلى الشرق الأوسط. والعرب في شعرهم الجاهلي كانوا يمتدحون السيوف الهندية ويسمونها "المهنّد"، أي المنسوبة إلى الهند.

وحين وصلت هذه السبائك إلى دمشق لم يجد الحداد الدمشقي فيها سوى مادة خام. أما ما فعله بها… فهو ما اعتادت دمشق صنعه دائماً: أخذ الخام وأعاد تشكيله بيده وخبرته وذاكرته حتى صار معدناً آخر كليًّا، معدناً لم يعرف سرّه إلا دمشق.

طيات النار والصبر

طوى الدمشقيون طبقات الحديد في عملية معقدة وطويلة، ثم أعادوا تقطيعها، ثم ضموها وأعادوا طرقها. ثم بردوها وأعادوا تسخينها. أطوار وأطوار مرّت بها قطعة واحدة من حديد الوتز القادم من الهند لتخرج من بين يدي الحداد الدمشقي شيئاً آخر كليًّا.

خفيفة لكنها متينة قاسية لكنها لينة تمتص الصدمات عصية على الكسر نادرة لا تُقلَّد ولا تُنسى

كانت معادلات شبه مستحيلة جمعتها يد حداد دمشقي كان يعرف منذ البداية، ربما بالفطرة أكثر من العلم، أن التجربة وحدها هي الطريق.

لم تكن عنده كتب ولا معادلات كيميائية.

بل كانت عنده ذاكرة دمشق تتشكّل في يده، وصبره على النار، وحكمة أدركت أن الجمال يتطلب زمناً.

وكم أتقنت مدينته تطويع الزمن.

السيف الذي حيّر العالم حين رأى الصليبيون ذاك الفولاذ لأول مرة في ميادين القرن الثاني عشر الميلادي، كتبوا في سجلاتهم أن سيف المسلم يقسم وشاحاً من الحرير يطير في الهواء.

ربما كانت مبالغة في الوصف… لكن فولاذاً كهذا لم يكن يحتاج أصلاً إلى مبالغات.

"الحضارة تسكن يد الإنسان… قبل أن تسكن حجارة المدينة."

حين أُخذ السر إلى سمرقند ثم جاء تيمورلنك عام 1400 للميلاد. دخل دمشق وأحرقها وذبح عشرات الآلاف من أهلها، وأمر بنقل أمهر حرفييها وحدادييها ومعماريييها أسرى إلى عاصمته سمرقند.

كان واحداً من أذكى الطغاة في التاريخ: يعرف أن الحضارة تسكن في يد الإنسان قبل أن تسكن في حجارة المدينة. فنقل اليد… وترك الحجارة تحترق.

السر الذي مات مع آخر المعلمين لم تنقطع الصناعة دفعةً واحدة. استمر الحدادون بعد تيمورلنك وإن بخبرة ناقصة وأسرار مبتورة. لكن في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي اختفى الفولاذ الدمشقي الحقيقي. انقطعت شحنات حديد الوتز من الهند بسبب تدمير شركة الهند الشرقية البريطانية لمنظومة الإنتاج التقليدي الهندي، وانتهت سلسلة المعرفة الشفهية التي كانت تنتقل من معلم إلى تلميذ. وحين مات آخر المعلمين… مات السر معه. فمثل هذه الأسرار لا تُكتب. وحدها الذاكرة الجديرة بحمل سر دمشقي كانت تحمله.

عبقرية فطرية تحت المجهر

بعد قرنين ونصف من الغياب، وفي عام 2006 للميلاد، فتح باحثون من جامعة درسدن الألمانية بقيادة الفيزيائي بيتر باوفلر شفرة دمشقية من القرن السابع عشر بالحمض وفحصوها تحت المجهر الإلكتروني عالي الدقة. ما وجدوه نشروه في مجلة Nature: أنابيب كربون نانوية وأسلاك نانوية من السمنتيت.

بنى مجهرية اكتشفها العلم الحديث في القرن العشرين، صنعها حداد دمشقي في القرن السابع عشر بيده وناره ووجدان مدينته دون أن يعرف لها اسماً.

كأن الحداد الدمشقي حين كان يطوي طبقات الفولاذ…

إنما كان يحاكي جيناته نفسها.

تلك الجينات التي طوت كل الحضارات المتعاقبة، وأذابتها، وأعادت تشكيلها في بوتقة لا تُرى لكنها تُحسّ.

لتخرج في النهاية معدناً دمشقياً يصعب وصفه.

هل هو عربي؟
آرامي؟
هيلّيني؟
إسلامي؟

"كان دمشقياً… وهذا وحده يشرح ويكفي."

دمشق

بوتقة لم تبرد منذ فجر التاريخ