رحيلُ آخرِ شيوخِ الإنشادِ الحلبي

الشيخ محمد مسعود خياطة… حين تفقد المدن أحد أصواتها العتيقة

برحيل الشيخ محمد مسعود خياطة، تخسر حلب واحدًا من أبرز حرّاس الموشح والإنشاد الصوفي، وأحد الأصوات التي حفظت الذاكرة السمعية للمدينة عبر عقود طويلة.

ذاكرة التراث الإنشادي الحلبي

رحيلُ آخرِ شيوخِ الإنشادِ الحلبي
عبادة الحمامي

برحيل الشيخ محمد مسعود خياطة، تفقد مدينة حلب واحدًا من الأصوات التي ارتبطت طويلًا بذاكرتها الروحية والموسيقية، وأحد أبرز وجوه الإنشاد الديني والموشح الحلبي في العقود الأخيرة.

توفي الشيخ في مدينة إسطنبول عن عمر ناهز خمسةً وسبعين عامًا، بعد رحلة طويلة كرّسها لخدمة الإنشاد الصوفي، وحفظ التراث الموسيقي الحلبي، ونقل هذا الإرث بين الأجيال في زمنٍ تغيّرت فيه المدن سريعًا، واختفت فيه كثير من الأصوات القديمة التي كانت تشكّل روح المكان.

ينحدر الشيخ محمد مسعود خياطة من أسرة علمية عريقة في مدينة حلب، فهو نجل الشيخ محمد نجيب خياطة، أحد كبار علماء القراءات واللغة العربية في المدينة، والذي عُرف بمكانته العلمية بوصفه شيخًا للقراء، وعالمًا في الفقه والتجويد واللغة، وصاحب مؤلفات بارزة في علوم القراءات وأحكام التلاوة.

نشأ الشيخ محمد مسعود خياطة في بيئة امتزج فيها العلم بالروحانية، فتأثر منذ طفولته بمجالس الذكر والقراءة والإنشاد، قبل أن يتتلمذ على أيدي كبار منشدي حلب ومشايخها، ويتحول مع السنوات إلى واحد من أهم الأصوات المرتبطة بالإنشاد الصوفي والتراث الموسيقي الحلبي الأصيل.

وعلى مدى عقود، ارتبط اسم الشيخ بالزاوية الهلالية في حلب، إحدى أعرق الزوايا الصوفية في المدينة، والتي شكّلت عبر قرون طويلة مركزًا لحلقات الذكر والسماع والموشحات الدينية. وهناك، تولّى رئاسة المنشدين، محافظًا على تقاليد الأشغال القديمة ، وعلى أساليب الأذكار والإنشاد التي عُرفت بها الزاوية.

لم يكن الشيخ محمد مسعود خياطة مجرد مؤدٍّ للموشحات والأذكار، وإنما كان واحدًا من حرّاس هذا التراث الشفهي النادر، ومن الأصوات التي أدركت مبكرًا خطورة اندثار هذا الفن مع تغيّر الأجيال وتسارع التحولات الثقافية. لذلك كرّس جزءًا كبيرًا من حياته لتعليم المنشدين الشباب، وتلقينهم أصول الموشح والأشغال القديمة كما تلقاها عن شيوخه الأوائل.

وفي عام 2006، ومع اختيار مدينة حلب عاصمةً للثقافة الإسلامية، أسّس الشيخ “الفرقة التراثية الحلبية”، التي ضمّت نخبة من كبار منشدي المدينة، بهدف توثيق التراث الإنشادي الحلبي، وإحياء الموشحات والأناشيد القديمة، وتقديمها داخل سوريا وخارجها بوصفها جزءًا من الهوية الحضارية لمدينة حلب.

وقدّمت الفرقة خلال سنوات نشاطها أعمالًا ومشاركات ساهمت في التعريف بالإرث الموسيقي والروحي الحلبي، في وقتٍ كانت فيه المدينة ما تزال تحتفظ بمكانتها كواحدة من أهم عواصم الطرب والموشح والقدود في العالم العربي.

كما ترك الشيخ إرثًا معرفيًا مهمًا من خلال كتابه:

«الدر المختار في فن إنشاد الأذكار»، الذي تناول فيه أصول الذكر والإنشاد الصوفي والموشحات في بلاد الشام، موثقًا مدارس الأداء وأساليب السماع والطقوس المرتبطة بهذا الفن الروحي العريق.

ومن خلال وجوده في إسطنبول ساهم بتأسيس دار الموشحات التي وثق من خلالها الكثير من الأشغال والموشحات والقدود القديمة.

وبرحيله اليوم، تخسر سوريا واحدًا من حرّاس تراثها وأحد أمناء ذاكرتها السمعية،

فالمدن لا تفقد أبناءها فقط، وإنما تفقد أحيانًا أصواتها أيضًا.

وسيظل أثر الشيخ محمد مسعود خياطة حاضرًا في تلاميذه، وفي كل مجلس ذكر، وكل موشح حلبي ما يزال يُنشد بروح الأصالة، وفي تلك الطبقة الصوتية الحلبية الدافئة التي حملت ذاكرة المدينة.