في قلب دمشق القديمة، حيث تعبق الحجارة برائحة الياسمين والذاكرة والدم، ينهض صرحٌ لا يروي تاريخ الطب وحده، بل تختصر أروقته سيرة أمةٍ كاملة.
على أنقاض البيمارستان النوري العريق، وفي الثامن عشر من آذار عام 1899، ارتفع مبنى حمل منذ لحظته الأولى معنى إنسانيًا نادرًا.
بأمرٍ من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، أُسس “مستشفى الحميدية غُرباء”، ليكون اسمه قدره؛ حضنًا دافئًا للغريب، ومأوى للمريض، وعلاجًا مجانيًا للوافدين من القدس، وبيروت، وحلب، ودير الزور.
"لم يكن مستشفى الغرباء مجرد مكان للعلاج… بل صورة مبكرة لفكرة الوطن نفسه."
هناك، حيث حفظت الجدران أنات المرضى وحكايات العابرين، بقيت قصص كثيرة معلّقة في الذاكرة، منها قصة السيدة “قمر” التي رعاها المكان حتى أسلمت الروح عن عمرٍ ناهز 130 عامًا.
في ذلك المبنى، كانت الأجساد تتلقى العلاج… وكانت الذاكرة السورية تُصنع بصمت.
مشرطٌ يسبق عصره
تحوّل المستشفى سريعًا إلى مركز علمي متقدم في زمنه.
استُقدمت إليه أحدث المعدات الطبية المتاحة آنذاك، وشهدت غرفه عمليات جراحية معقدة، من بينها استخراج خراجات الدماغ، بأيدي جراحين حملوا روح الريادة في زمنٍ كانت فيه الجراحة لا تزال تخوض معاركها الأولى مع الألم والمجهول.
وتُوّجت هذه النهضة عام 1903 بافتتاح:
“مدرسة الطب المدني الشاهانية”
أول كلية طب عثمانية خارج إسطنبول.
ومعها، صار المكان مدينة طبية مصغرة تنبض بالحياة؛ بمطابخها، ومغاسلها، وأجنحتها، وفي مقدمتها جناح المعالجة العقلية الذي عُدّ خطوة متقدمة في زمنه.
مقبرة الأطباء… ملحمة السفربرلك
ثم دقت طبول الحرب العالمية الأولى، واجتاح كابوس “السفربرلك” أزقة الشام، حاملاً معه المجاعة، والتعب، وأوبئة التيفوس والكوليرا.
امتلأت الأسرة بآلاف الجنود والفقراء، وتحولت الممرات إلى مشهدٍ قاسٍ من الوجع البشري.
في تلك الأيام السوداء، كُتبت واحدة من أنبل صفحات الشرف الطبي.
كان الأطباء وطلاب الطب يعرفون أن الوباء لا يرحم، وأن الاقتراب من المرضى قد يكون طريقًا إلى الموت.
ومع ذلك… لم يغادروا مواقعهم.
وقفوا في وجه العدوى كما يقف الجنود في وجه الرصاص، وتساقطوا واحدًا تلو الآخر كأوراق خريفٍ دمشقي حزين.
"هنا لم يمت الأطباء بسبب المرض فقط… بل بسبب وفائهم لفكرة الواجب."
ومن هنا جاء الاسم الذي أطلقه الدمشقيون على المكان:
“مقبرة الأطباء”
تسمية تقشعر لها الأبدان، وتدل على حجم التضحية التي قُدمت في محراب الطب والإنسانية.
دماءٌ في الزنزانة… ومستشفى يصنع رئيسًا
خلف ستارة الطب، كانت السياسة تكتب فصولها الأكثر دموية.
بين عامي 1916 و1917، تحولت بعض غرف المستشفى إلى خلايا سرية، واستغل الأطباء حصانتهم ومكانتهم لتهريب منشورات المقاومة داخل الضمادات.
وفي إحدى ليالي عام 1917، نُقل إلى المستشفى شابٌ غارقٌ في دمه، قادمًا من قبو التحقيق.
كان قد قطع شرايين يده بنفسه، مفضّلًا الموت على الانهيار تحت التعذيب والاعتراف بأسماء رفاقه في النضال.
أنقذ أطباء المستشفى حياته.
ذلك الشاب كان:
شكري القوتلي
رئيس الجمهورية السورية لاحقًا.
ليلة سقطت دمشق… وانتصر أبقراط
في تشرين الأول عام 1918، عاشت دمشق واحدة من أكثر لياليها اضطرابًا.
انسحب العثمانيون والألمان، ودخلت قوات الثورة العربية، وسادت الفوضى والنهب.
وسط ذلك كله، وقف أطباء الحميدية كدروع بشرية لحماية مرضاهم.
في تلك الليلة، تجلّى قسم أبقراط في صورته الأشد صفاءً.
امتلأت الأروقة بالجنود الأتراك المنسحبين، والضباط الألمان الجرحى، والمقاتلين العرب المنتصرين.
وعلى أسرة هذا المستشفى، تراجعت العداوات أمام الألم.
"داخل المستشفى، سقطت الهويات العسكرية… وبقي الإنسان فقط."
عُولج الجميع سواسية؛ بلا تفرقة بين لغة، أو عرق، أو بندقية.
من ميسلون إلى الغوطة… الطب في خندق المقاومة
لم تكد جراح الحرب الأولى تلتئم، حتى فتحت المستشفى أبوابها في صيف 1920 لاستقبال شهداء وجرحى معركة ميسلون الخالدة، وفي مقدمتهم رفاق وزير الحربية الشهيد يوسف العظمة.
ومع دخول الانتداب الفرنسي، صُودر المكان وتغيّر اسمه قسرًا إلى:
“المستشفى الفرنسي”
لكن تغيير اللافتة لم يمس روح المكان.
بقي الأطباء السوريون شوكة في حلق المحتل.
وحين اشتعلت الثورة السورية الكبرى عام 1925 ودُكت دمشق بالمدافع، تحوّل المستشفى إلى خلية فدائية.
لم يكتفِ الأطباء بعلاج الثوار سرًا، بل هرّبوا الأدوية والمعدات الجراحية تحت جنح الظلام إلى غوطة دمشق.
يومها، أثبت المشرط أن له مكانه في معارك التحرير… إلى جانب البندقية.
فجر الجلاء… عودة الروح
دارت عجلة الزمن، وبعد قرابة خمسين عامًا على وضع حجر الأساس، أشرقت شمس الجلاء في نيسان 1946.
رُفع العلم السوري، ورحل المحتل، وعاد المستشفى إلى حضن أمته ليحمل اسمه الأغلى:
“مستشفى الوطن”
نصف قرنٍ شهدت فيه هذه الجدران ولادة أمة من رحم المعاناة، وسقوط إمبراطوريات، وملاحم من الألم والأمل.
واليوم، تقف الحجارة شامخة بعد ترميمها، تروي تاريخًا يتجاوز الطب إلى معنى أعمق:
كيف يمكن لمكانٍ واحد أن يداوي الجسد، ويحفظ الكرامة، ويحرس روح المدينة.
"هنا… كانت الشام تضمد جراحها."
