شُغِفَ أهل حماة بتربية الخيل العربيَّة الأصيلة، وكانت اصطبلات الخيل فيها تعجُّ بأنواع وسلالات الخيول العربية النَّادرة التي ارتبطت تربيتها بنجدة وشجاعة وفروسية أهل حماة وحبِّهم للجهاد والمثاغرة. وقد حرصت بيوتات حماة على تخريج الفرسان والخيَّالة، لحاجتهم إلى ترسيخ القوة والهيبة وسطوة الجانب، في مواجهة العدوان الخارجي والحركات الباطنية الهدامة، كما اهتم أمراء حماة بتعزيز الخيول السوابق ورياضتها، وملاعبة الخيل والأسنة، حتى بلغت مبلغها من العناية والرعاية.
وكان لخيل حماة وفرسانها دور عظيم في المعارك الفاصلة، كحطين وشقحب وعين جالوت، فازدات أسعار خيل حماة عن قريناتها، بسبب حسن الرياضة والتربية، ومن معالم ذلك شُهرة الخيولِ العربية الَّتي كان يربِّيها آل الفضل وآل مهنا في بادية حماة، مما حدا بالسُّلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون إلى إقطاعهم عدداً كبيراً من القرى لتربية الخيول التي كانت على أنواع : الكحيلان والصقلاوية والعبية والكروش وغيرها، وقد بلغت أثمان الفرس الأصيلة ما بين ستين إلى سبعين ألف درهم، ومنها ما بلغ مائة ألف درهم، على ماذكر المؤرخ الإمام تقي الدين المقريزي (ت 845 هـ) في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" فقال (1) :
(وشغف السُّلْطَان النَّاصِر أَيْضا بِالْخَيْلِ فجلبت لَهُ من الْبِلَاد لاسيما خُيُول الْعَرَب آل مِنْهَا وَآل فضل فَإِنَّهُ كَانَ يقدمهَا على غَيرهَا وَلِهَذَا كَانَ السُّلْطَان يكرم الْعَرَب ويبذل لَهُم الرغائب فِي خيولهم ويتغالى فِي أثمانها) .
ثم أكمل المقريزي فقال:
(وَكَانَت خُيُول مهنا وَأَوْلَاده فِيهَا مَا بلغ الْفرس مِنْهَا إِلَى سِتِّينَ ألف وَسبعين ألف دِرْهَم وَفِي حجورتهم مَا بلغ ثَمَانِينَ ألف وَتِسْعين ألفا وَمِائَة ألف دِرْهَم. وَبلغ ثمن بنت الكرتا الَّتِي أحضرها مُحَمَّد بن عِيسَى أَخُو الْأَمِير مهنا للسُّلْطَان سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة مائَة ألف دِرْهَم وضيعة بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم. وأقطع السُّلْطَان النَّاصِر عرب آل مهنا وَآل فضل بِسَبَب الْخَيل عدَّة ضيَاع بأراضي حماة وحلب سوى أثمانها) .
ثم قال:
(فعزت الْعَرَب من آل مهنا وَآل فضل وَآل مرا فِي أَيَّامه وَكَثُرت سعادتها واتسعت أحوالها بالأموال والضياع وحملتهم الدَّالَّة حَتَّى طلبُوا من السُّلْطَان النَّاصِر بِلَاد أُمَرَاء حلب وحماة ودمشق فأنعم بهَا عَلَيْهِم وَعوض الْأُمَرَاء عَنْهَا حَتَّى صَارُوا من الْقُوَّة وَالْكَثْرَة بِحَيْثُ يخافهم من عداهم من سَائِر الْعَرَب).
وقد كانت الخيل الحموية أجود ما يهدى للملوك والأمراء، فأهدى أمراء حماة وملوكها الرؤوس الأصيلة العتاق، إلى ملوك مصر ودمشق وحلب وبغداد، ومما جاء في مرويات التراث عن هذا ما ذكره أبي الفداء عماد الدين الأيوبي ملك حماة (ت 732 هـ) في أخبار سنة (712 هـ) عن هداياه للملك الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام (ت 741 هـ) فقال (2):
(وحضرت بين يديه بدمشق المحروسة في يوم الخميس، الثالث عشر من المحرم، من هذه السنة الموافق لعاشر أيار، وهنيته بقدومه إلى مملكته وعبيده وقدمت ما أحضرته من الخيول والقماش والمصاغ فقابله بالقبول) .
ومثلها ذكر أبو الفداء في حوادث سنة (718 هـ) عن هدايا الأمير فضل بن عيسى الحموي أمير عشائر آل مهنا في باية حماة، لأعيان بغداد فقال (3):
(ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة في أوائل هذه السنة سار فضل بن عيسى إلى ابن خربندا وجوبان إلى بغداد واجتمع بهما، وأحضر لهما تقدمة من الخيول العربية، فأقبل جوبان عليه وأعطى فضل المذكور البصرة، واستمرت له إقطاعاته التي كانت له بالشام بيده مع البصرة).
كما كانت الخيول أحب ما يهدى إلى أمراء حماة، ذكر المقريزي ذلك في السلوك أن الملك الظاهر بيبرس (ت 676 هـ) قد أنعم بالخيول العتاق على صاحب حماة الملك المنصور الثاني محمد بن محمود الأيوبي (ت 683 هـ) فقال (4):
(وَعَاد صَاحب حماة إِلَى مَمْلَكَته بعد مَا أنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان بِكَثِير من الْخُيُول وَالْأَمْوَال وَالْخلْع) .
ولشدة عناية أهل حماة بالخيل وأخبارها وأنسابها، فقد أورد مؤرخوها وملوكها حوادث مهمة عن الخيل، ففي أخبار سنة (703 هـ) ذكر أبو الفداء عماد الدين إسماعيل الأيوبي ملك حماة (ت 732 هـ) (5):
(وفيها كثر الموت في الخيل، فهلك منها ما لا يحصى، حتى خلت غالب اسطبلات الأمراء والجند) .
وقد كان بحماة سوق للخيل عامر، دعي في ما بعد بسوق الموقف – في حي المرابط اليوم – لتوقف موكب أمير حماة فيه، ذكر ذلك القلقشندي (ت 821 هـ) في صبح الأعشى، وكذا ابن كنَّان الصَّالحي الدمشقي (ت 1153 هـ) فقال في معرض حديثه عن عادات نواب حماة (6):
(إن النائب بها يركب من دار النيابة بها في يومي الخميس والإثنين مع العسكر والأمراء وأجناد الحلقة، ويسير إلى خارج المدينة من قبليِّها في الموكب حتى يأتي إلى ضيعة تسمى نقرين وهي بالقرب من المدينة، ثم يعود في موكبه حتى يقف بسوق الخيل ساعة لطيفة، ثم يسير إلى دار النيابة، ويدخل العسكر من أول باب يعرف بباب المعرة (7)، ثم تترجل الناس على الترتيب، على قدر منازلهم، ولا يبقى راكباً سوى النائب. ولا يزال راكباً حتى يترجل عند المقعد بدار النيابة المعد للحكم فيجلس فيه. ويجلس معه داخل الشباك القضاة الأربع، فالشافعي على يمينه، ويله الحنفي، والمالكي على يساره، والحنبلي يليه).
ومن مزيد عناية أهل حماة بالخيل، فقد ذاع سيطهم وكان أبناء بلاد الشام يستعينون بهم لمعرفة أصول الخيل، والشهادة على صحة نسبها، نظراً لتولعهم بصفاء نسب خيولهم وحفظ أصولها عن ظهر غيب، لدرجة أنهم لا يسمحون أبداً لفرس أصيلة إلا أن تلد من فحل أصيل تحت شروط صارمة، ويحضر الوادة الملاكين وشهود موثقين، وقد احتوت مكتبتي الوثائقية المخطوطة على مجموعة من أصول نوادر الوثائق الشرعية التي تعود للعهد العثماني والمختصة بقضايا الخيل في حماة، منها وثيقة جميلة يشهد فيها مجموعة من أبناء حماة على صحة نسب ونقاء دم خيل صقلاوية دخلت في ملك بني صقر، اشتراها الحاج أحمد أغا البيروتي، وقد شهد على صحة نسبها من أبناء حماة ثلة من خياليها، وهذا نص الوثيقة (8):
(الحمد لله وحده ...
نشهد نحن الموقعين أسمائنا وأختامنا بذيله أدناه، أن الحصان الخمري الماوردي، البالغ من العمر سنتين ونصف الأنجم هو الصقلاوي الجدراني من خيل الهيتان من عشيرة عمر بن بني صقر، وابوه كحيلان الخرز الأشقر، حصان أبو خلف الحمصي الذي مولود عند الحاج أحمد السالم أحد كبار عشيرة النعيم، يشهد أنه من الخيول العربية القديمة نقية الدم صحيح النسب لا يعتريه شيء من الأشياء التي تدنس صحة نسبته المذكورة، ولأجل حفظ صحة نسب الحصان المذكور وعدم ضياع نسبه حررنا هذه الشهادة إلى مشتريه الحاج أحمد آغا البيروتي، نعلم ذلك ونشهد له بذلك بتاريخ 30 ذي القعدة 1343.
أشهد بذلك عبد الكريم بن خالد البرازي 1336.
أشهد بذلك خالد بن أحمد البرازي 1333.
أشهد بذلك خالد بن محمد الخالد 1342.
أشهد بذلك عزو الخالد.
أشهد بذلك السيد نجيب بن السيد محمد الزهراوي 1340
أشهد بذلك: موضع الختم غير واضح.
أشهد بذلك خليل السلامة شيخ عشيرة الفواعرة.
أشهد بذلك محمد نعسان البرازي 1342.
اشهد بذلك محمد ثابت.
المراجع
(1) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (3/303-305).
(2) المختصر في أخبار البشر للملك أبي الفداء الأيوبي الحموي (4/71).
(3) المختصر في أخبار البشر للملك أبي الفداء الأيوبي الحموي (4/83).
(4) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (2/38).
(5) المختصر في أخبار البشر للملك أبي الفداء الأيوبي الحموي (4/51).
(6) المواكب الإسلامية في الممالك والمحاسن الشامية لابن كنان الصالحي الدمشقي (2/104-112)، صبح الأعشى للقلقشندي (4/239).
(7) والصحيح: باب العسرة كما في صبح الأعشى (4/239)، أما في الضوء اللامع للسخاوي فيرد بإسم: باب العزة، والصحيح: باب العسرة.
(8) وثيقة محفوظة بيد راجي عفو ربه سليمان كاتبه.
في المرافق
(1) صورة الوثيقة المؤرخة سنة 30 ذي القعدة 1343 هـ الموافق 22 حزيران 1925.

(2) صورة تجمع ثلاثة من خيالي حماة وهم الخيال الحاج مصطفى المصري (ت1950)، الخيال الشهيد عرابي الصليعي الحراكي (ت1931)، الخيال الفارس منير الساعاتي (ت1997).

