سكن الفؤاد

حين تلتقي الأرواح حيث لا فراق

نص وجداني عن الفقد، وطمأنينة الأرواح، واللقاء المؤجل الذي لا ينتهي بالموت.

الأدب الوجداني

سكن الفؤاد
إحسان أحمد الحمامي

وقفتُ أمسح الغبار عن يدي بعد أن وارينا جسد جدي الحنون في التراب.

ألقيتُ نظرة أخيره على ذلك اللحد البارد، وشعرتُ ببرودة شديدة تجتاح صدري، وكأن قطعة من روحي دُفنت هناك معه.

وتذكّرت آخر كلامي معه وأنا أقول له:

"أحبّك جدي… لن أنسى فضلك علي ما حييت."

عُدت إلى البيت، ارتميتُ على سريري، وتخيّلت الركن الذي كان يجلس فيه دائماً في غرفة الضيوف، مستحضراً ملامحه الدافئة، وتجاعيد يديه التي كانت تمسح على رأسي بحنان، وكلماته وحكاياه عن مستقبلي الذي سيكون مليئاً بالنجاح والتميّز.

تساءلتُ بمرارة:

"هل انتهى كل شيء حقاً؟ هل تلاشت تلك الدعوات الحانية والقصص القديمة في عتمة هذا القبر؟"

نمتُ وعيناي غارقتان في الدموع، محملاً بوحشة الفقد الحارقة لرحيل “أبو أحمد”.

وفي تلك الليلة…

حدث ما لم يكن في الحسبان.

رأيتُ في منامي فضاءً فسيحاً يملؤه نور لطيف لا يشبه ضياء الشمس ولا نور القمر.

ولمحتُ جدي من بعيد، مقبلاً بوجه مستبشر، يرتدي ثياباً بيضاء، وتفوح منه رائحة تشبه المسك الزكي.

لم يكن هناك أثر للمرض أو الضعف الذي أضناه في أيامه الأخيرة، بل عاد شبابه وأشرقت ملامحه بسلام عميق.

ركضتُ نحوه، وارتميت في حضنه الدافئ كما كنت أفعل وأنا طفل، وسألته بذهول والدموع تغلبني:

"يا جدي.. أولست في القبر؟"

ابتسم ومسح على كتفي بنبرة تفيض بالسكينة وقال:

"إنما القبر للجسد الطيني يا بني، أما أنا فقد عبرتُ إلى حياة البرزخ، حيث سكن الفؤاد واستراح."

أخذني جدي من يدي ليريني ذاك العالم العجيب.

لم يكن ركاماً من الصمت المطبق كما يتخيل الأحياء، بل كان مجتمعاً للأرواح الطيبة.

شاهدتُ مجموعات من الأرواح تتجمع كطيور بيضاء تتسامر في ظلال النعيم.

فجأة، رأيتُ روحاً جديدة تقبل على هذا العالم، فالتفتت الأرواح نحوها بلهفة وفرح غامر، تماماً كالعائلة التي تستقبل مسافراً غاب عنها لسنوات.

اقتربوا من الروح القادمة، وبدؤوا يسألونها بشوق عن أحوال من تركوهم خلفهم في دار الدنيا، ولمحتُ جدي يتقدمهم بلهفة والجميع ينادونه بوقار:

"يا أبا أحمد، تعال واسمع الأخبار."

تقدم جدي وسأل بشوق:

"ما فعل أبنائي؟ كيف حال أحفادي؟ هل ما زالوا يذكرونني؟"

فأجابه القادم الجديد بطمأنينة:

"إنهم بخير يا أبا أحمد، وما زالوا يدعون لك في كل صلاة."

رأيتُ وجه جدي يتهلل فرحاً، وينظر إلى السماء مستبشراً.

ثم التفتت إحدى الأرواح تسأل عن رجل مات قبله بفترة ولم يروه، فأجاب القادم الجديد:

"لقد مات قبلي بزمن!"

فخيم صمت حزين، وقالت الأرواح لرفاقها:

"إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد هُوي به إلى أمه الهاوية، فلو كان من أهل النعيم لجمعنا البرزخ به."

في تلك اللحظة، أدركتُ وأنا مستغرق في نومي حقيقة دافئة:

الموت ليس نهاية الحكاية.

الأرواح الطيبة التي تحابت في الله، تملك موعداً مؤجلاً خلف ستار الغيب.

تتزاور، وتتآلف، وتنعم بنعيم ممتد لا يعرف الزوال، يراقبون أحوالنا، ويفرحون بصدقاتنا، وينتظرون بلهفة ذلك اليوم الذي نلحق بهم فيه.

استيقظتُ من نومي والدموع تبلل وسادتي، لكن البرودة التي كانت في صدري تحولت إلى دفء غريب.

نظرتُ إلى السماء وقلتُ مبتسماً:

"نم هنيئاً يا جدي الحنون، فعش يا أبا أحمد في نعيمك المقيم، ولقاؤنا القادم لا فراق بعده."