عائلة عبد الرحمن ياسين ورانيا العباسي تنكأ أعمق جروح السوريين
المخيف في قصة رانيا العباسي أن اسمها وصل إلينا. عرفنا صورتها، وعرفنا أسماء أطفالها، وعرفنا شيئًا من مصيرها. لكن خلف هذه الحكاية آلاف العائلات التي اختفت دون أثر، وآلاف الأطفال والنساء الذين لم يصل صوتهم إلى أحد.
ولهذا تعد قضية عائلة عبد الرحمن ياسين ورانيا العباسي أيقونة للاختفاء القسري للعائلات السورية، ورمزًا لآلاف الأسر التي ابتلعتها المعتقلات والسجون والمقابر المجهولة، وغابت قصصها عن الضوء.
"قضية عائلة رانيا العباسي وأطفالها تحولت إلى أيقونة للاختفاء القسري للعائلات السورية."
وكلما ظهرت شهادة جديدة، يعود السؤال نفسه: كيف يصل إنسان إلى مرحلة يخنق فيها أطفالًا أبرياء ويصوّر فعلته؟ كيف يتحدث عنها بثقة؟ كيف يحتفظ بالقصة سنوات طويلة؟ كيف يشعر بالأمان الكافي ليرويها للآخرين؟ وكيف يجد حوله من يستمع ويبرر ويصفق؟
الإجابة تبدأ عند الثقافة الأسدية التي بُنيت على مدى عقود.
"خلف كل جلاد منظومة أقنعته، وسردية بررت له، وبيئة منحت أفعاله مساحة للحياة."
ثقافة غذّاها الأسد في المؤسسات التعليمية والاجتماعية والإعلامية. ثقافة صنعت الخوف، وربطت الوطن بالسلطة، وربطت الأمان ببقاء النظام، وقدمت الآخر السوري على أنه تهديد دائم.
عقود من التلقين صنعت سردية من وجهة نظرٍ واحدة، ثم أُغرق السوريون بها من كل حدب وصوب؛ في المدرسة والجامعة، وفي نشرات الأخبار، وفي المسلسلات، وفي الخطاب الديني والخطاب الرسمي، وفي أصوات المثقفين والإعلاميين الذين جرى تقديمهم ممثلين للفكر والثقافة والرأي العام.
ولهذا كان دور المثقف والإعلامي الأسدي مؤثرًا في ترسيخ هذه السردية وإعادة إنتاجها ومنحها شرعية أخلاقية وثقافية، حتى استقرت في وعي أجيال من السوريين.
"عقود من صناعة الخوف نجحت في تجذر السردية الأسدية في الوعي الشعبي العام**."
وعندما يسيطر الخوف على الوعي، تتبدل البوصلة الأخلاقية تدريجيًا، فتتراجع إنسانية الضحية وتتصدر المبررات. ومع الوقت يصبح الظلم جزءًا من المشهد المألوف، وتُمنح القسوة ثوب الضرورة، بينما تتكاثر الأعذار التي تحيط بالجلاد وتغطي على أصوات ضحاياه.
ولهذا كان ما جرى في سوريا مشروعًا طويلًا لإعادة تشكيل الوعي السوري، وإعادة تعريف الخوف والولاء والعدو في عقول أجيال كاملة، عبر ربط الوطن بشخص أو عائلة، وربط المصير بمصير السلطة، وزرع سردية أسدية بعثية تسللت إلى المدارس والجامعات والإعلام والفن والخطاب العام، حتى غدت جزءًا من البديهيات التي نمت معها أجيال كاملة.
ومع مرور الوقت حمل الناس هذه السردية في وعيهم، ونقلوها إلى أبنائهم، وأعادوا إنتاجها في أحاديثهم ومواقفهم ونظرتهم إلى من حولهم.
"حين ينجح الخوف في احتلال الوعي، تتراجع إنسانية الضحية وتتصدر المبررات."
وهنا تكمن خطورة الثقافة وبعدها السياسي؛ فهي تصوغ العدسة التي يرى الناس العالم من خلالها، ويقيسون بها الحق والباطل، والخوف والأمان، والضحية والجلاد.
وأمام وزارة الثقافة اليوم مسؤولية تاريخية:
1. حماية سردية الضحايا والمغيبين والمعتقلين والمهجرين والشهداء من الضياع والنسيان.
2. قراءة أثر الثقافة الأسدية، التي ما زالت حاضرة في الوعي السوري، بجرأة ووضوح.
3. التمهيد لسردية ثقافية سورية جديدة تنطلق من الحقيقة والكرامة والعدالة، وتمكين المنظمات والمبادرات الثقافية من المشاركة في صياغتها.
"الثقافة تصنع الوعي، ومن هذا الوعي تولد طرائق التعبير عنه في الفنون والإعلام والحكايات التي ترافق الأجيال."
فالثقافة تصنع الوعي، وتوجه التفكير، وتشكل المشاعر والصور الذهنية. ومن هذا الوعي تولد الفنون والإعلام والحكايات التي ترافق الأجيال وتصوغ نظرتها إلى الوطن وإلى نفسها.