كرنفال الفول والبازلاء

عن طقوس “المونة” السورية، وذاكرة البيوت القديمة التي كانت تصنع من أبسط المواسم كرنفالاً عائليًا كاملاً.

الذاكرة السورية

كرنفال الفول والبازلاء
إحسان أحمد الحمامي

لا أعرف متى اختفت هذه الطقوس من حياتنا.

اختفت بهدوء كما تختفي الأشياء الجميلة عادةً، دون وداعٍ أو إعلانٍ أخير.

لكنني كلما رأيت حبّات الفول أو البازلاء في الأسواق عادت إليّ صورة بيت جدي العربي الطيني، وعادت معها أصواتٌ وروائح ومشاهد لا تزال تسكن الذاكرة وكأنها حدثت بالأمس.

في طفولتي لم يكن موسم الفول والبازلاء مجرد موسم زراعي، ولم يكن مرتبطاً بالنسبة لنا نحن الأطفال بما يسمّيه الكبار “المونة”.

كنا ننتظر وصول أكياس الخيش الكبيرة كما ينتظر الأطفال قدوم العيد.

كانت الشاحنة تتوقف أمام البيت، ويبدأ الرجال بإنزال الأكياس الممتلئة بالفول والبازلاء الخضراء، فتتحول ساحة المنزل إلى ما يشبه الكرنفال السنوي.

"بعض المواسم لم تكن تحمل الطعام فقط… بل كانت تحمل الناس إلى بعضهم."

كانت العائلة كلها تشارك.

الجدات، والأمهات، والعمات، والخالات، والجيران أحياناً.

حلقاتٌ من البشر تجلس حول أكوام الخضار الخضراء، والأيدي تعمل بلا توقف، بينما تدور الأحاديث والضحكات والقصص القديمة وكؤوس الشاي.

لم يكن أحد يشعر أنه يؤدي عملاً شاقاً، بل كان الجميع يعيش مناسبة اجتماعية كاملة الأركان.

أما نحن الأطفال فكان لنا عالمنا الخاص.

كنا نتسابق على فتح القرون الخضراء، ونخفي بعض الحبات لنأكلها سراً بعيداً عن أعين الكبار.

وكانت جدتي، أو كما كنا نناديها بحب: “ميمتي”، تراقبنا من بعيد ثم تصرخ بلهجتها الحنونة الحازمة:

“لا تاكلوا الفول نيّ… بيعمل تسمم بالدم!”

لم نكن نفهم ما هو تسمم الدم، لكنه كان يبدو لنا شيئاً مرعباً بما يكفي لنتوقف لدقائق قليلة فقط، قبل أن نعود إلى سرقة الحبات الخضراء مرة أخرى.

كانت هناك طقوس كاملة ترافق هذه الأيام.

رائحة القش الرطب، وأصوات تكسّر القرون بين الأصابع، وأطباق الطعام التي تظهر فجأة لتطعم الجيش الصغير العامل في الساحة، وضحكات النساء التي كانت تصل إلى آخر الحارة.

حتى الشمس كانت تبدو مختلفة في تلك الأيام، وكأنها تشاركنا الاحتفال.

"كانت البيوت تمتلئ بالضحك… قبل أن تمتلئ البرادات بالمونة."

اليوم أستطيع شراء كيلو الفول أو البازلاء جاهزاً ومفصصاً ومجمداً خلال دقائق.

كل شيء أصبح أسرع وأسهل وأكثر عملية.

لكن شيئاً ما ضاع في الطريق.

لم تكن القيمة الحقيقية في الفول نفسه، ولا في البازلاء، ولا حتى في المونة التي كانت تُخزَّن لأشهر طويلة.

كانت القيمة في الناس الذين اجتمعوا حولها.

كانت المونة حجة جميلة لكي تجتمع العائلة.

كانت مناسبة تُصنع فيها الذكريات كما تُصنع المؤونة.

وكانت الأحاديث التي تدور فوق أكوام الفول أطول عمراً من الفول نفسه.

أما البازلاء فقد كانت تنتهي بعد أشهر، بينما تبقى الضحكات عالقة في الذاكرة لعشرات السنين.

أحياناً أعتقد أن أكثر ما نفتقده اليوم ليس الأشياء ذاتها، بل الطقوس التي كانت تحيط بها.

فقد كانت حياتنا مليئة بالمناسبات الصغيرة التي تجمع الناس دون دعوات رسمية أو مواعيد مسبقة أو مجموعات واتساب.

يكفي أن يصل موسم الفول حتى تعرف القرية كلها أن أياماً جميلة قد بدأت.

"بعض الذكريات تبقى خضراء… مهما مرّ عليها الزمن."

وربما لهذا السبب، عندما أتذكر أكياس الخيش المكدسة في بيت جدي، لا أتذكر الفول ولا البازلاء بقدر ما أتذكر الوجوه.

وجوه من رحلوا، وأصواتاً لم تعد تُسمع، وأياماً كانت أبسط بكثير مما ظننا آنذاك.

كان ذلك كرنفالاً حقيقياً.

كرنفالاً من المحبة، والضحك، والعمل الجماعي، ودفء العائلة.

وما زالت بعض حبّات الفول العالقة في الذاكرة… أكثر خضرةً من كل ما نراه اليوم.