السوريون أتقنوا فن البقاء… ماذا بعد؟

كيف تحوّلت مهارات النجاة والتكيّف في سوريا من أدوات ضرورية للبقاء إلى تحدٍ يواجه بناء مؤسسات مستقرة واقتصاد طويل الأمد.

من البقاء إلى البناء

السوريون أتقنوا فن البقاء… ماذا بعد؟
لمى صوان

في كثير من النقاشات حول مرحلة ما بعد الصراع في سوريا، يُختزل الحديث غالباً في سؤال واحد:

"كيف نخلق فرص عمل؟"

لكن هذا السؤال، رغم أهميته، لم يعد كافياً.

فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في توفير العمل بوصفه فرصة متاحة، بل في النموذج الذي يحكمه: كيف يُفهم، وكيف يُمارس، وكيف يتحول من استجابة لظروف استثنائية إلى أساس لبناء اقتصادي ومؤسسي مستقر.

عندما تصبح “دبّر حالك” ثقافة لا مهارة

في سوريا، لا يحتاج المرء إلى وقت طويل حتى يسمع العبارة الأكثر شيوعاً في الحياة اليومية:

"دبّر حالك."

تُقال في العمل، وفي الدوائر الحكومية، وفي أبسط تفاصيل الحياة.

ومع الوقت، تحولت من تعبير شعبي عابر إلى طريقة كاملة لفهم العمل والتعامل مع التحديات.

على امتداد سنوات الحرب والشتات، ارتبط العمل لدى كثير من السوريين بالقدرة على التكيّف السريع، وإنجاز المهام ضمن موارد محدودة، وتجاوز غياب الأطر والإجراءات الواضحة.

في مثل هذه البيئات، تصبح المرونة الفردية بديلاً عن التنظيم، وتُدار الأمور عبر الاجتهاد الشخصي والحلول المباشرة أكثر مما تُدار عبر أنظمة ومسارات عمل مستقرة.

وهذا ليس خللاً، بل استجابة طبيعية لواقع غير مستقر.

لكن المشكلة تبدأ عندما تستمر الأدوات التي صُممت للنجاة… في حكم بيئة يفترض أنها تتجه نحو الاستقرار.

"ما ينقذ الناس في لحظة طارئة… لا يكفي دائمًا لبناء مستقبل مستقر."

فعندما يصبح الإنجاز مرتبطاً بالأفراد أكثر من ارتباطه بطريقة العمل نفسها، وعندما تُدار المهام عبر حلول مؤقتة بدل أطر واضحة وقابلة للتكرار، يبدأ البناء المؤسسي بالتراجع لصالح منطق الاستجابة اليومية.

وتصبح المعرفة والخبرة محتجزة لدى أفراد، بدل أن تتحول إلى أصول مشتركة يستفيد منها الجميع.

منطق “الخبير الفوري” مقابل منطق البناء التراكمي

في مراحل الضغط وعدم اليقين، تنتشر فكرة أن من يستطيع التنفيذ فوراً هو الشخص الأنسب.

لكن الاقتصادات والمؤسسات المستقرة لا تُبنى بهذه الطريقة.

فالبناء الحقيقي لا يقوم على سرعة الإنجاز وحدها، بل على القدرة على إنتاج معرفة تتراكم، وتجارب تتحسن، وممارسات يمكن تكرارها وتطويرها مع مرور الوقت.

المشكلة ليست في الحلول السريعة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى النمط الوحيد المقبول للعمل.

عندها يتراجع السؤال:

"كيف نطوّر الطريقة؟"

ليحل مكانه سؤال أكثر إلحاحاً:

"كيف ننجز المهمة الآن؟"

وقد يبدو هذا التحول عملياً على المدى القصير، لكنه يحدّ من قدرة المؤسسات على التعلم والنمو والاستمرار على المدى الطويل.

البدء من حيث انتهى الآخرون

جزء أساسي من إعادة بناء ثقافة العمل يتمثل في التحرر من وهم البدء من الصفر في كل مرة.

فالبناء لا يقوم على إعادة اختراع كل شيء، بل على القدرة على التعلم التراكمي، والاستفادة من الخبرات السابقة، واحترام المعرفة باعتبارها رصيداً جماعياً يتطور عبر الزمن، لا تجربة فردية تبدأ وتنتهي مع أصحابها.

المجتمعات والمؤسسات التي تتقدم ليست تلك التي تبدأ دائماً من جديد، بل تلك التي تعرف كيف تواصل البناء من حيث انتهى الآخرون.

"المؤسسات القوية لا تعتمد على الأفراد الاستثنائيين فقط… بل على المعرفة التي تبقى بعدهم."

نحو تعريف أكثر نضجاً للعمل

المرحلة القادمة لا تحتاج إلى مزيد من الأشخاص القادرين على الإنجاز رغم كل شيء.

إنها تحتاج إلى أشخاص قادرين على بناء طرق عمل تستمر حتى بعد مغادرتهم.

هذا الفرق بين المُنجِز والبانِي قد يكون أحد أهم الفروق التي ستحدد إن كنا نعيد البناء فعلاً… أم نعيد إنتاج الهشاشة نفسها بأشكال جديدة.

ويبدأ هذا التحول بأسئلة بسيطة داخل كل مؤسسة وكل فريق:

  • هل ستستمر طريقة عملنا الحالية إذا غادر أكثر الأشخاص خبرة وتأثيراً؟

  • هل نكافئ من يبني النظام… أم فقط من يطفئ الحرائق؟

  • هل تتراكم المعرفة في الأدوات والعمليات… أم تبقى محصورة في رؤوس أفراد لا يمكن الاستغناء عنهم؟

سوريا لا تحتاج فقط إلى فرص عمل.

إنها تحتاج أيضاً إلى إعادة تعريف الطريقة التي نفهم بها العمل نفسه.

لأن الانتقال من البقاء إلى البناء ليس تحولاً اقتصادياً فحسب، بل تحول في العقلية والثقافة وطريقة التفكير.

"وهناك تحديدًا… تبدأ رحلة التعافي الحقيقية."