سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الفنادق... بل إلى فكرة أكبر

كيف يمكن لسوريا أن تتحول إلى الوجهة الطبيعية للعائلة العربية والمسلمة عبر الهوية والانتماء لا عبر الفنادق وحدها؟

سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الفنادق... بل إلى فكرة أكبر
روان محمد عامر الرجولة

في الصيف الماضي، كنت أجلس في أحد فنادق الخليج الفاخرة. كان الفندق مذهلاً بكل المقاييس؛ خدمة استثنائية، مطاعم عالمية، وتصميم يخطف الأنفاس.

لكن ما لفت انتباهي لم يكن الفندق نفسه.

كانت العائلات.

عائلات خليجية جاءت من مختلف أنحاء المنطقة، تبحث عن الراحة والخصوصية والأمان، وعن مكان تستطيع فيه أن تكون نفسها دون الحاجة إلى التكيف مع ثقافة أخرى أو الاعتذار عن قيمها.

وفي تلك اللحظة خطر لي سؤال بسيط:

لماذا لا تكون سوريا هي الوجهة الطبيعية لهذه العائلات؟

ليس لأننا نمتلك شواطئ أجمل أو فنادق أكبر.

بل لأننا نمتلك شيئاً أعمق.

نحن نشبههم.

وهنا تحديداً أعتقد أن النقاش حول مستقبل السياحة في سوريا يحتاج إلى إعادة صياغة.

ففي كل مرة نتحدث فيها عن تطوير القطاع السياحي، ينصرف الحديث سريعاً إلى عدد الفنادق التي يجب بناؤها، وحجم الاستثمارات المطلوبة، والمشاريع التي يمكن إطلاقها. وكأن المشكلة الأساسية هي نقص المباني.

لكن الحقيقة أن سوريا لا تحتاج أولاً إلى مزيد من الفنادق.

إنها تحتاج إلى فكرة أكبر.

تحتاج إلى إجابة واضحة عن سؤال بسيط: من هو الزائر الذي نريد أن يأتي إلى سوريا؟

برأيي، هناك فرصة استراتيجية لم تُستثمر بعد كما يجب.

ملايين العائلات العربية والمسلمة تسافر كل عام بحثاً عن وجهات توفر لها الراحة والجودة والخصوصية والشعور بالانسجام مع البيئة المحيطة بها. هذه العائلات لا تبحث فقط عن الرفاهية، بل عن وجهات تشعر فيها بأن قيمها مفهومة ومحترمة، وأن وجودها فيها طبيعي وليس استثناءً.

وفي عالم تتشابه فيه الوجهات السياحية أكثر فأكثر، تصبح الهوية ميزة تنافسية.

وسوريا تمتلك واحدة من أقوى الهويات السياحية في المنطقة، لكنها لم تُحوّلها بعد إلى مشروع متكامل.

لدينا تاريخ لا يُختصر بموقع أثري أو معلم سياحي. لدينا دمشق، عاصمة الدولة الأموية، التي لا تزال حاضرة في الوجدان الإسلامي من جاكرتا إلى الدار البيضاء. لدينا الجامع الأموي، وأسواق دمشق القديمة، وحلب بتاريخها العريق، ومقام خالد بن الوليد في حمص، ومئات المواقع التي ترتبط بذاكرة حضارية ودينية مشتركة بين سوريا ومحيطها العربي والإسلامي.

لكنني لا أتحدث هنا عن السياحة الدينية بمفهومها التقليدي.

أتحدث عن رؤية أوسع.

رؤية تجعل من سوريا وجهة أولى للعائلة العربية والمسلمة، ليس فقط لأنها تحتضن مواقع تاريخية ودينية مهمة، بل لأنها تقدم تجربة متكاملة تنطلق من فهم احتياجات هذه العائلة.

ماذا لو صممنا جزءاً من استثماراتنا السياحية على هذا الأساس؟

ماذا لو كانت لدينا منتجعات عائلية عالمية على الساحل السوري، تراعي الخصوصية الأسرية منذ مرحلة التصميم؟

ماذا لو أصبحت المساحات العائلية، ومرافق الأطفال، والخدمات المخصصة للنساء، جزءاً أساسياً من معايير الضيافة الوطنية؟

ماذا لو استطعنا أن نقدم للعائلة مستوى الخدمة الذي تجده في أفضل الوجهات العالمية، ولكن في بيئة أقرب إلى ثقافتها وقيمها؟

هذا ليس طرحاً أيديولوجياً، ولا دعوة إلى نمط واحد من السياحة.

بل هو قراءة واقعية للسوق.

فالسياحة الناجحة لا تقوم على محاولة جذب الجميع بالطريقة نفسها، بل على فهم الشرائح التي تمتلك الدولة فيها ميزة حقيقية.

وأعتقد أن سوريا تمتلك ميزة يصعب تقليدها.

فنحن لا نحتاج إلى اختراع هوية جديدة أو استيراد نموذج سياحي من الخارج. ما نحتاجه هو الاستثمار الذكي فيما نملكه أصلاً.

لكن الهوية وحدها لا تكفي.

وهنا تقع مسؤوليتنا الأكبر.

لا يمكن أن نطلب من الزائر أن يأتي من أجل التاريخ فقط. عليه أن يجد مطارات حديثة، وطرقاً جيدة، وخدمات رقمية متطورة، وفنادق تضاهي المعايير الدولية، وتجربة ضيافة تجعل زيارته الأولى بداية لعلاقة طويلة مع البلد.

ولماذا لا يكون لدينا مطبخ سوري ينافس عالمياً؟

لدينا واحد من أغنى المطابخ في المنطقة، وتقاليد طهو متجذرة في المدن السورية منذ قرون. لا يوجد سبب يمنع مطعماً سورياً من أن يصبح وجهة عالمية بحد ذاته، أو أن نرى أسماء سورية ضمن أرقى التصنيفات الدولية في المستقبل.

فالطموح الوطني لا يُقاس فقط بما نملكه اليوم، بل بما نؤمن أننا قادرون على تحقيقه غداً.

وأعتقد أن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نرتكبه هو أن نضع الهوية في مواجهة التطور، أو أن نضع المحافظة في مواجهة الجودة.

التجارب الناجحة حول العالم تثبت العكس تماماً.

فكلما كانت الدولة أكثر ثقة بهويتها، كانت أكثر قدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية.

ولهذا أرى أن مستقبل السياحة السورية لا يكمن في بناء المزيد من الفنادق فحسب.

بل في بناء فكرة واضحة حول المكانة التي نريد أن تحتلها سوريا في خريطة السياحة الإقليمية.

أما أنا، فأرى أن مكانها الطبيعي هو أن تكون الوجهة التي يختارها الزائر لأنه يريد الجودة، ويعود إليها لأنه وجد فيها شيئاً أصبح نادراً في عالم اليوم:

الشعور بالانتماء.

أن يشعر الإنسان، وهو بعيد عن منزله، بأنه ما زال بين أهله.

هذه ليست مجرد رؤية للسياحة.

إنها رؤية لسوريا نفسها.

سوريا الواثقة من هويتها، والمنفتحة على العالم، والقادرة على أن تجعل من تاريخها نقطة انطلاق نحو المستقبل، لا مجرد ذكرى من الماضي.