صبراً آل العباسي فإن موعدكم الجنة إن شاء الله

حكاية عائلة سورية اختصرت معنى الصبر والفقد، من سجون الثمانينيات إلى مأساة الأحفاد المغيبين في سنوات الحرب السورية.

الذاكرة السورية

صبراً آل العباسي فإن موعدكم الجنة إن شاء الله
بقلم : إحسان أحمد الحمامي

في عمق الوجع السوري، تولد حكايات تتجاوز حدود الصبر البشري، وتتحول فيها أسماء العائلات إلى قواميس تضحية؛ تمامًا كما هي حكاية "آل العباسي الكرام"، العائلة الشامية المعروفة التي تحولت تفاصيل حياتها إلى ملحمة إنسانية مغموسة بالدموع والأمل المفجوع، واختصرت بمرارتها قصة شعب بأسره.

تبدأ فصول هذه التغريبة بالوالد، الشيخ عيد العباسي، وهو من أبرز تلامذة المحدّث الشيخ ناصر الدين الألباني.

اعتُقِل الشيخ العباسي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي (عام 1980) خلال حقبة حكم حافظ الأسد.

كان ذنبه، كالكثيرين حينها، هو انشغاله بالدعوة والتعليم الديني والوعظ خارج الأطر التي يفرضها النظام.

سنوات العتمة (1980–1993)

قضى الشيخ عيد العباسي قرابة 13 عاماً متواصلة خلف القضبان "ظلماً وعدواناً" دون محاكمات عادلة.

تنقل خلالها في غياهب السجون السياسية الرهيبة التي ذاق فيها مرارة العزل، والتعذيب الجسدي والنفسي، وانقطاع الأخبار عن أهله وأطفاله (ومن بينهم ابنته رانية التي كبرت وعاشت طفولتها ومراهقتها في ظل غياب والدها).

لم يكن غيابه مجرد غياب عادي بل كان جرحاً مفتوحاً في قلب عائلته.

كبر الأبناء في غيابه، وتحولت ملامحه في ذاكرتهم إلى طيف يزورهم في الأحلام، وصوت يتردد صداه في زوايا البيت.

"بعض الغياب لا يتحول إلى ذكرى… بل يبقى جرحاً مفتوحاً داخل العائلة."

الحرية والعودة للعلم

تنفس الشيخ عيد العباسي الحرية عام 1993.

ورغم وطأة السنين وجراح المعتقل التي تركت أثراً على جسده، عاد فور خروجه بروح صابرة ممتلئة باليقين والحمد.

انكبّ مباشرة على مواصلة رسالته العلمية، واشتغل بتأليف الكتب وتحقيق كتب الحديث والفقه والوعظ والتدريس.

الفجيعة الأكبر (الامتداد المؤلم)

لم تكن نجاة الشيخ وخروجه نهاية المطاف لعائلة العباسي؛ إذ يرجح حقوقيون ومقربون أن اعتقال ابنته الدكتورة رانية وأطفالها الستة وزوجها عام 2013 كان مرتبطاً بشكل غير مباشر بالتاريخ السياسي والاعتقالي لوالدها.

لقد عاش الشيخ عيد ليرى مأساته تتكرر في دماء أحفاده وصغار ابنته، وهي الفجيعة التي جعلته يقضي بقية سنين عمره يعتصر ألمًا وشوقًا على مصير عائلته المغيبة.

وفي تطور حزين ومفجع، كشفت التحقيقات والبيانات الرسمية لـ "الهيئة الوطنية للمفقودين" عن دلائل وتسجيلات مصورة تؤكد استشهاد أطفال ابنته رانية الستة ووالدهم على يد عناصر النظام.

أكد شقيق الدكتورة رانية (حسان العباسي) الاطلاع على أدلة وتسجيلات مصورة مرعبة تخضع لسرية تامة لحفظ كرامة الضحايا.

يظهر في أحد المقاطع تحرك عدسة الكاميرا داخل غرفة مظلمة مكدس بها جثث الأطفال، ويتحدث فيها القاتل أمجد يوسف قائلاً بدم بارد:

"أطفال كبار الممولين في ركن الدين.. تضحية لروح الشهيد نعيم يوسف."

(نعيم هو شقيق أمجد الذي قُتل في المعارك)، مما يكشف أن دافع القتل كان الانتقام والثأر الطائفي الأعمى.

لتظل حكاية الشيخ عيد العباسي تجسيداً حياً لـ "تغريبة سورية" امتدت عبر جيلين، بدأت بسجن الأب وانتهت بفقدان الإبنة وزوجها والأحفاد.

نائلة العباسي… الوجه الآخر للحكاية

وعلى الطرف الآخر من هذه التغريبة، تقف الابنة الثانية للشيخ العباسي، الدكتورة نائلة العباسي، استشارية أمراض النساء والتوليد في مدينة الرياض.

تلك الطبيبة التي قادتها رسالتها الإنسانية لتكون سبباً في وهب الحياة، فوُلد على يديها آلاف الأطفال، ورسمت البسمة على وجوه أمهات لا حصر لهن.

وهنا تتبدى المفارقة الإنسانية الأكثر وجعاً:

فبينما كانت نائلة تقضي أيامها ولياليها لتؤمن لأطفال الغرباء عبوراً آمناً ونقياً إلى هذا العالم، كانت قوى الظلام تنتزع أطفال شقيقتها رانية الستة، وتحرمهم من الحق في الحياة ونور الشمس.

لقد تحول صوت الدكتورة نائلة اليوم من مباركة الأمهات بمواليدهن، إلى نداءات ومناشدات تطلقها عبر المحافل الدولية والمنصات الحقوقية، وتطرق أبواب السجون والمنظمات، لا لتستقبل طفلاً جديداً، بل لتعرف مصير أطفال أختها الذين قضوا على يد هذا النظام الوحشي وأذنابه.

لتظل نائلة الشاهد الحي على جرح العائلة، وصوت الضمير الذي يرفض أن يطوي النسيان حكاية "آل العباسي".

"في سوريا… بعض العائلات لم تخسر أبناءها فقط، بل خاضت مع الزمن معركة كاملة ضد النسيان."

اللهم افْرغْ صبراً وتثبيتاً على قلب الشيخ عيد وآل العباسي، واجبر كسر قلوبهم جبراً يليق بكرمك.

اللهم آتهم أجر الصابرين الذين يُوفّون أجرهم بغير حساب، وامسح على أفئدتهم ببرد الطمأنينة، وعوّضهم في الدنيا والآخرة فرجاً ورحمةً تقرّ بها أعينهم.