المونة… أول أشكال الاستدامة

كيف حوّلت الجدة الدمشقية المواسم إلى نظام ذكي لحفظ الطعام، وصنعت من المونة فلسفة يومية في الاستدامة قبل أن تصبح كلمة حديثة.

المطبخ الدمشقي

المونة… أول أشكال الاستدامة
محمد موسى

في دمشق، تُعرَف المواسم من الرائحة.

رائحة الباذنجان المملّح على السطوح، والبامية المشكوكة كخرز أخضر في عقد زمرد، والملوخية المجففة التي تحتفظ بذاكرة الصيف في أبرد أيام الشتاء.

قبل أن يخترع العالم كلمة “استدامة” لتصبح شعارًا على واجهات الشركات… كانت الجدة الدمشقية تمارسها في مطبخها بصمت، وبيقين لا يحتاج إلى تسمية.

"قبل أن تصبح الاستدامة شعارًا حديثًا… كانت المونة حكمة يومية في بيوت دمشق."

أرض لا تشبه غيرها

تمتد سوريا على بقعة جغرافية نادرة.

جبال، وصحراء، وبحر، وسهول، ووديان في رقعة واحدة.

لكن ما يجعلها استثناءً حقيقيًا ليس شكل أرضها فقط، بل ما تُنتجه: تنوع زراعي وحيواني نادرًا ما يجتمع في مكان واحد.

أربعة فصول صريحة، كل منها بشخصية مختلفة.

ثلوج في الشتاء، وصيف حار معتدل.
حمضيات تنضج حين تتجمد الأرض، ومشمش يشتعل في قلب الحر.

هذا التناقض الجميل لم يكن عائقًا أمام الدمشقي، بل كان مادة خامًا يصنع منها فهمًا عميقًا لبيئته.

إيقاع الفصول

استطاع الدمشقيون أن يتماهوا مع محيطهم حتى أصبحوا جزءًا منه.

تعلّموا إيقاع الفصول، وفهموا كيف يحتفظون بما تمنحه الأرض في أوقات الوفرة ليستهلكوه في أوقات الندرة.

فالدمشقي لا يشتهي طبق فول في عز الشتاء دون أن يأكل ما أنتجه الربيع.

في وجدانه، ذلك نوع من الخيانة للموسم… وربما للفول بحد ذاته.

هذا الفهم لم يأتِ من فراغ.

دمشق، بوصفها من أقدم المدن المأهولة في العالم، أتاحت لسكانها أن يراكموا حكمة لا تُكتسب إلا بالتجربة، والتكرار، وتعاقب الأجيال.

"المونة ليست وصفة طعام… بل طريقة لفهم الزمن."

منظومة وليست مجرد وصفة

المونة ليست طريقة لحفظ الطعام فحسب.

هي منظومة متكاملة تتراوح بين التجفيف، والتخمير، والتخليل، والغلي، والقلي، والحفظ.

في كل فصل من فصول دمشق موسم مونة، ولكل موسم طقوسه.

القَاورما تُصنع حين يُذبح الخروف شتاءً، وتُحفظ في شحمها لتُطعم العائلة أشهرًا.

مربى المشمش يولد في ذروة الصيف، ويبقى على الرف حتى يحنّ إليه يوم بارد.

البامية تُجفف وكأنها جسر بين الفصلين.

والملوخية تفقد ماءها… لتحتفظ بروحها.

كل هذه العمليات، على تنوعها، تجمعها حكمة واحدة:

"لا شيء يُهدر."

المكدوس… حين يصبح الطبق حدثًا

خذ المكدوس مثالًا.

معقّد في مراحل تجهيزه، بسيط جدًا في تركيبته.

يختصر وحده قدرة السوريين على الدمج والانتقاء الواعي؛ مكونات تناسب بعضها بشكل مذهل، وإن تفاوتت الأيدي التي تصنعه، تظل الوصفة محتفظة ببساطتها الأصيلة.

لكن المكدوس لا يقف عند حد الطبق الذي يُؤكل في غير وقته.

هو في حقيقته حدث اجتماعي.

حين يحين موسمه، تتجمع البنات من بيوت الجيران، وتتصدر الأمهات المشهد بخبرتهن، وفوقهن جميعًا الجدات؛ الطبقة الاستشارية التي لا يُستغنى عنها، والتي تحمل في ذاكرتها ما لا يُكتب في أي وصفة.

في هذه التجمعات ذات الهدف الغذائي في ظاهرها، يختبئ بعد ثقافي عميق:

قصص قديمة،
وأغانٍ تراثية،
وخطبة تُعقد،
وأمور الحي تُناقش،
وحكمة تنتقل دون أن يشعر أحد أنه يتعلم.

"في موسم المكدوس، لا تُحفظ الباذنجانات فقط… بل تُحفظ الحكايات أيضًا."

قبل المسميات البراقة

المونة لم تكن يومًا مجرد حاجة إنسانية للغذاء.

كانت فهمًا مبكرًا لمبدأ الاستدامة، قبل أن يصبح مفهومًا أكاديميًا أو بندًا في أجندة مؤتمرات المناخ.

كانت تطويعًا للظروف لصالح الإنسان، وتأكيدًا على حقيقة بسيطة:

الإنسان حين يفهم بيئته لا يخافها… بل يحوّلها إلى شريك.

وفي دمشق، لا تزال الرائحة تسبق الموسم.

والأم الدمشقية كانت تعرف هذا جيدًا… قبل أن يُدوَّن في الكتب.

"المونة هي ذاكرة الصيف… حين تتعلّم كيف تعيش داخل الشتاء."