حرروا حلب

حين تتحول مدينة عظيمة إلى صورة نمطية… ويصبح تحرير الوعي أهم من تحرير الحجر.

فكر ومجتمع

حرروا حلب
بقلم : أسعد الأسعد

قبل سنوات، كنت أجلس مع صديق غير سوري، وبينما كنا نتحدث عن المدن العربية سألني فجأة: “حلب؟ أليست المدينة التي يتحدث أهلها بطريقة مضحكة ويأكلون الكبة طوال الوقت؟”

ضحكت يومها، لكن شيئاً في داخلي انكسر. ليس لأن الرجل أساء إلى حلب، بل لأنه كان يردد صورة نجحت عشرات السنين في ترسيخ نفسها أكثر من المدينة الحقيقية.

تحررت حلب من ستة عقود بعثية وأسدية: نعم. لكن لا، لم تتحرر حلب من الصورة النمطية. صورة الكبة والمشاوي على المحلّق، وصورة اللهجة الثقيلة التي تُستخدم مادة للضحك، وصورة “الحلبي الظريف” الذي لا وظيفة له إلا إلقاء النكات وإثارة الضحك في المسلسلات والبرامج.

والأخطر من ذلك كله أن هذه الصورة لم يعد يروج لها الآخرون فقط، بل أصبح بعض أبناء المدينة أنفسهم يتبنونها ويعيدون إنتاجها يومياً، وكأن التخلي عنها تنكر لحلب أو كفر بها.

يكفي أن تمضي دقائق قليلة على منصات التواصل الاجتماعي لتفهم ما أقصد. مئات المقاطع والحسابات والمنشورات التي تختزل مدينة عمرها آلاف السنين في بضعة قوالب جاهزة: كبة، مشاوي، لهجة، نكات، وسماجة قاتلة أحياناً.

هذه الصورة لم تولد صدفة، بل صنعتها عقود طويلة من الدراما والكوميديا التلفزيونية والمسرحية، ورسختها أعمال كثيرة، وشارك في تكريسها – مع بالغ الأسف – بعض من اشتغلوا في الفن من أبناء المدينة أنفسهم.

الصورة ذاتها التي ما زالت تُباع وتُشترى وتُستهلك يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي تحت عناوين خفيفة الظل من نوع “هيك الحلبيين” و”هيك أهل حلب” و”الغزل بحلب”.

لكن السؤال الحقيقي: لماذا؟

لماذا تختزل واحدة من أعظم مدن التاريخ بهذا الشكل؟ ولماذا تختزل مدينة كانت لقرون طويلة واحدة من أهم المراكز التجارية والثقافية والصناعية في العالم في طبق طعام أو لهجة أو نكتة؟ ولماذا يصر بعض أبناء المدينة أنفسهم على تقديمها بهذه الصورة؟

أيها الحلبيون… حلب ليست نكتة، وحلب ليست لهجة، وحلب ليست طبق كبة مهما كان عظيماً. حلب فكرة حضارية كاملة.

مدينة خرج منها تجار وصلوا إلى أقاصي الأرض، وصناع وحرفيون بنوا سمعة عالمية، وعلماء وموسيقيون وشعراء ومفكرون. مدينة كتبت اسمها في التاريخ قبل أن تولد عشرات الدول والمدن المعاصرة.

حين تمشي في أزقتها القديمة لا تمشي في حي تاريخي فقط، بل تمشي فوق طبقات متراكمة من الحضارات والقصص والذاكرة البشرية.

لكن اسمحوا لي أن أقول شيئاً قد يبدو مستفزاً. حلب لا تحتاج لمن يثبت عراقتها، ولا تحتاج لمن يكتب كل يوم عن عمرها الممتد لآلاف السنين، ولا تحتاج لمن يذكرنا بأنها من أقدم المدن المأهولة في العالم.

وحلب، كما دمشق، لا تحتاج إلى المزيد من المديح لتاريخها. التاريخ موجود، راسخ، وثابت، ولا أحد يستطيع مصادرته أو إنكاره.

لكن ما يشغلني حقاً ليس حلب التي كانت، بل حلب التي ستكون.

لا أريد أن أعرف فقط ماذا فعل أجدادنا، أريد أن أعرف ماذا سيفعل أحفادنا. لا أريد أن أبقى أسيراً لسؤال: من كنا؟ أريد أن أسأل: من سنكون؟

ما هي حلب عام 2050؟ ما هي دمشق عام 2050؟ ما هي حمص وحماة واللاذقية ودير الزور عام 2050؟ ما هي سوريا التي نحاول بناءها؟

أحياناً أشعر أننا نتحدث عن التاريخ أكثر مما ينبغي. نستحضره في السياسة، وفي الثقافة، وفي الإعلام، وفي النقاشات اليومية، حتى أصبح الماضي عندنا أكثر حضوراً من المستقبل.

ولهذا أتمنى أحياناً لو استطعت أن أنزع فتيل التاريخ من عقولنا لبعض الوقت، لا لكي ننساه، ولا لكي نتنكر له، بل لكي أزرع مكانه رقاقة صغيرة من المستقبل.

تجعلنا نتحدث عن الشركات التي سنبنيها أكثر من الإمبراطوريات التي كانت هنا، وعن الجامعات التي سنؤسسها أكثر من المدارس التي درس فيها أجدادنا، وعن الأفلام التي سنصنعها أكثر من القصص التي ورثناها، وعن المدن التي سنتركها لأطفالنا أكثر من المدن التي ورثناها من آبائنا.

فالتاريخ لا يبني المستقبل وحده، والحنين لا يصنع نهضة، والذاكرة لا تكفي لبناء وطن. ما يبني الأوطان هو وجود صورة واضحة للغد.

لهذا فإن المشكلة ليست في الكبة، وليست في المشاوي، وليست في اللهجة. كل ذلك جزء جميل وأصيل من هوية المدينة.

المشكلة عندما تصبح هذه الأشياء هي الهوية كلها، وعندما تختفي المدينة الحقيقية خلف صورة كاريكاتورية مبسطة، وعندما تصبح حلب بالنسبة للكثيرين مجرد شخصية كوميدية وليست مدينة صنعت جزءاً مهماً من تاريخ المنطقة.

والسؤال الأهم: هل يمكن تغيير ذلك؟

الجواب ببساطة: نعم، وبدرجة أكبر مما يظن كثيرون.

فالمدن مثل الأفراد، تتغير، وتعيد تعريف نفسها، وتعيد بناء صورتها. كل العلوم الاجتماعية الحديثة تقريباً تؤكد ذلك.

نظرية المعايير الاجتماعية، ونظرية التعلم الاجتماعي، والاقتصاد السلوكي، والنظرية المؤسسية، ونظرية السلوك القائم على الهوية، جميعها تؤكد أن السلوك العام والصور الذهنية ليست قدراً أبدياً، بل هي نتاج تراكمات يمكن إعادة تشكيلها.

والتاريخ مليء بالأمثلة. اليابان فعلتها، سنغافورة فعلتها، كوريا الجنوبية فعلتها، رواندا فعلتها، وألمانيا فعلتها.

كل هذه التجارب أثبتت أن المجتمعات تستطيع إعادة تعريف نفسها عندما تتوحد القوانين والتعليم والإعلام والخطاب العام والقدوات حول صورة جديدة للمستقبل.

فالناس بطبيعتها تميل إلى تبني ما يمنحه المجتمع احتراماً وقيمة ومكانة. وما يُكافأ يتكرر، وما يُحتفى به ينتشر، وما يُقدم باعتباره نموذجاً يحتذى يصبح جزءاً من الثقافة العامة.

لهذا فإن تحرير حلب الحقيقي لا يكتمل بإزالة آثار الحرب وحدها، ولا بإعادة إعمار الحجر وحده، بل بإعادة إعمار الصورة. صورة المدينة في أذهان أهلها أولاً، ثم في أذهان السوريين، ثم في أذهان العالم.

حلب بحاجة إلى إعادة بناء هويتها المعاصرة، بحاجة إلى أن تُعرف كمدينة للصناعة والتجارة والحرف والثقافة والموسيقى والتعليم وريادة الأعمال والإبداع، وبحاجة إلى أن تستعيد القيم التي جعلتها قادرة على البقاء آلاف السنين، وبحاجة قبل ذلك كله إلى أن تمتلك صورة واضحة عن مستقبلها.

لأن المدن التي تعيش على أمجاد الماضي فقط تتحول مع الوقت إلى متاحف جميلة، أما المدن التي توازن بين احترام تاريخها وصناعة مستقبلها، فهي التي تستمر في كتابة التاريخ.

وهذه ليست مهمة فرد أو مجموعة أفراد، إنها مهمة مشتركة ينهض بها طرفان أساسيان: الحكومة، والإعلام.

الحكومة عبر التشريعات والسياسات والحوافز والقدوة الحسنة، والإعلام عبر رسم صورة المدينة كما هي فعلاً، لا كما اعتدنا أن نسخر منها أو نختزلها.

هل هذا صعب؟ كلا، وألف ألف كلا.

فإذا كانت حلب قد نجحت في البقاء بعد كل ما مرّ عليها من حروب وغزوات وزلازل واحتلالات وتحولات كبرى عبر التاريخ، فإعادة بناء صورتها في الوعي الجمعي تبدو من أسهل المعارك التي يمكن أن تنتصر فيها.

كل ما تحتاجه حلب اليوم… أن تتحرر من النسخة الصغيرة التي حُبست فيها، وأن تتحرر من أسر الصورة، وأن تتحرر من اجترار الماضي بوصفه مشروعاً للمستقبل، وأن تعود بحجمها الحقيقي.

ليس بوصفها مدينة كانت عظيمة، بل بوصفها مدينة تستعد لأن تكون عظيمة من جديد.