جوبر… الحي الذي حفر طريقه إلى الحرية
بقلم : عبد الإله بكار
في دمشق، هناك أحياء تشبه الذاكرة أكثر مما تشبه الجغرافيا.
وجوبر واحدة من تلك الأماكن التي لا يمكن اختصارها بحيٍّ دمشقي عادي، لأنها عبر تاريخها الطويل كانت دائمًا مكان عبور؛ عبور للأنبياء، وللقوافل، وللفاتحين، وللمحاصرين، وللناس الذين كانوا يبحثون عن نجاةٍ ما وسط هذا الشرق المتعب.
يُقال إن اسم جوبر يعود إلى “الجبّ” الذي لجأ إليه نبي الله إلياس، حين كانت المنطقة مجرد بساتين مفتوحة على أطراف دمشق القديمة. ومنذ ذلك الزمن البعيد، بقي المكان يحمل شيئًا من العزلة الروحية، كأن الحي كُتب عليه أن يكون ملاذًا للناس في اللحظات الصعبة.
على مرّ القرون، تحوّلت جوبر إلى واحدة من أكثر مناطق دمشق تنوعًا وحياة. عاش فيها المسلمون واليهود جنبًا إلى جنب، وكان فيها واحد من أقدم المعابد اليهودية في العالم، والذي احتوى لسنوات طويلة على نسخة قديمة جدًا من التوراة. وبين البساتين، والآبار، والبيوت الدمشقية البسيطة، تشكلت حياة كاملة لأناس عُرفوا بالعمل، والزراعة، والحِرف اليدوية، وبعلاقة خاصة جدًا مع الأرض.
كان أهل جوبر يشبهون حيّهم إلى حد بعيد؛ هادئين من الخارج، لكنهم يحملون صلابة يصعب كسرها.
وفي تاريخ دمشق العسكري، كانت جوبر دائمًا بوابة شرقية حساسة. منها مرّ الفاتحون نحو المدينة، ومنها كانت دمشق تراقب ما يأتيها من الشرق. وحتى في العمارة الدمشقية القديمة، بقيت جوبر متصلة بروح الغوطة؛ بالماء، والأشجار، والطرق الزراعية، والبساتين التي كانت تمتد حتى تلامس أطراف العاصمة.
لكن التاريخ، كما يفعل دائمًا، كان يخبئ للحي فصلًا آخر أكثر قسوة.
حين بدأت الثورة السورية عام 2011، لم تكن جوبر مجرد حي شارك في الاحتجاجات، بل تحولت سريعًا إلى واحدة من أهم جبهات الصمود في دمشق كلها. خلال سنوات الحرب الطويلة، أصبحت جوبر خط تماس دائم، واسمًا يتكرر في نشرات الأخبار اليومية، ورمزًا لحي رفض أن يستسلم رغم الحصار والقصف والدمار.
شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح المكان تختفي تحت الركام.
البيوت التي عاشت فيها عائلات لعشرات السنين تحولت إلى جدران مفتوحة على السماء. الأزقة القديمة اختفت، والمساجد، والمدارس، والبساتين، دخلت كلها في قلب المعركة. أكثر من تسعين بالمئة من الحي تعرض للدمار، وكأن المدينة كانت تُمحى حجرًا حجرًا أمام أعين أهلها.
لكن وسط ذلك الخراب، ظهرت واحدة من أكثر القصص غرابة وإنسانية في الحرب السورية:
الأنفاق.
تحت الأرض، كان عالم آخر يتشكل بصمت.
أهالي الحي والثوار بدأوا بحفر شبكة طويلة من الأنفاق، امتدت لمسافات هائلة وصلت إلى سبعةٍ وعشرين كيلومترًا، وبأعماق تراوحت بين خمسة أمتار وعشرين مترًا تحت الأرض. لم تكن تلك الأنفاق مجرد ممرات عسكرية، بل تحولت إلى شرايين حياة كاملة.
من خلالها دخل الطعام،
والدواء،
والسلاح،
وخرج الجرحى،
وتحرك الناس بين مناطق الموت.
في الأعلى، كانت الطائرات والبراميل والقذائف تحاول سحق الحي، بينما في الأسفل كان الناس يحفرون بأيديهم مساحة صغيرة للاستمرار.
ربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو قصة جوبر مختلفة عن كثير من الحكايات الأخرى. لأن الحي لم يقاوم فقط بالسلاح، وإنما قاوم أيضًا بفكرة الحياة نفسها؛ بفكرة أن الإنسان، حين يُحاصر فوق الأرض، قد يحاول النجاة من تحتها.
كانت الأنفاق بالنسبة لكثيرين مجرد تكتيك عسكري، لكنها بالنسبة لأهل جوبر كانت شيئًا أعمق من ذلك بكثير.
كانت محاولة للاحتفاظ بالأمل.
ومع السنوات، صار الحي أشبه بمدينة أشباح. غادر الأهالي بيوتهم، ونُقل من بقي من المقاتلين لاحقًا إلى الشمال السوري، بينما بقيت جوبر خلفهم مدمرة إلى درجة يصعب معها تصديق أن هذه المنطقة كانت يومًا مليئة بالحياة.
لكن الحكاية لم تنتهِ هناك.
لأن المدن لا تموت بسهولة، خصوصًا المدن التي حفرت ذاكرتها بيدها.
عاد كثير من أبناء جوبر لاحقًا وهم يحملون شعورًا ثقيلًا ومتناقضًا؛ ألم رؤية المكان الذي تربوا فيه مدمرًا، وفرحة النجاة من زمن بدا طويلًا إلى حد لا يُحتمل. عادوا إلى حي لم يعد يشبه الصور القديمة، لكنهم عادوا ومعهم شيء واحد لم ينجح الخراب في تدميره:
الإحساس بالانتماء.
اليوم، حين يُذكر اسم جوبر، لا يعود الحديث فقط عن حي دمشقي شرقي، أو عن منطقة تعرضت للحرب، وإنما عن قصة كاملة تختصر شيئًا من الحكاية السورية نفسها.
حي بدأ كأسطورة قديمة حول نبي لجأ إلى جبّ في البرية،
ثم صار موطنًا للناس والبساتين والتنوع،
ثم تحوّل إلى جبهة،
ثم إلى مدينة تحت الأرض،
ثم إلى ذاكرة.
وربما لهذا السبب، تبدو “أنفاق الحرية” أكثر من مجرد عنوان لفيلم وثائقي.
إنها وصف كامل لما حاول أهل جوبر فعله طوال تلك السنوات
