المشمش الحموي

ثمرة حماة الذهبية التي حملت اسم المدينة إلى كتب الرحالة والمؤرخين والشعراء

المشمش الحموي
سليمان بن خالد الحموي

مع بداية الصَّيف يطالعك الباعة في أسواق الفاكهة في مدينة حماة بندائهم التراثي الجميل: "شكر برا يا لوزي، شكر برا يا حموي"، والمقصود به هو ثمرة المشمش الحموي، ويسمى أيضاً "المشمش السلطاني"، و"المشمش الكافوري"، ومن أنواعه في حماة "المشمش اللؤلؤي"، و"المشمش الدغيمشي" المشهور بحلاوته.

يعتبر شجر المشمش من أشهر أنواع الأشجار المثمرة التي انتشرت في حماة وريفها على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، فسورية اليوم الأولى عربيَّاً والثامنة عالميَّاً في زراعة المشمش، وشهرة حماة في زراعته ذائعةٌ، قال المستشرق الهولندي رينهارت بيتر آن دوزي (ت1300هـ) في تكملة المعاجم عند ذكر المشمش (1): (ويسمى أيضاً "الحموي" نسبة إلى مدينة حماة).

ولشهرة هذه الثمرة وتميزها باللُّبِّ الحلو، عدَّه بعض الرَّحالة من محاسن حماة وأطايبها، قال الرحالة أبي عبد الله محمَّد ابن بطُّوطة الطَّنجي (ت779هـ) (2): (وبحماة الفواكهُ الكثيرةُ، ومنها المشمش اللَّوزي إذا كسرتَ نَواتَهُ وجدت في داخلها لوزةً حلوة).

وارتباط شجرة المشمش بحماة جعل النجارين يستخدمون خشبه في صناعة لبِّ الناعورة، فمن خشب المشمش يصنع "الصِّرُّ" وهي قطعة سميكة في محيط قلب النَّاعورة، وخشب المشمش هو مكوِّن أساسي في بنية الناعورة مع خشب الجوز والتوت والحور والكينا والأكاسيا والسنديان.

وقد انتشرت زراعة المشمش في زوري الجاجية والمظفريَّة، وبساتين كثيرة في أزوار الحجير الفوقاني والحجير التحتاني وزور المقدمية وزور الحمادي في قرية أرجزا الواقعة في وقف بني قرناص، وفي زور الديمسية في الحاضر وغيرها كما أوردت الكثير من الوقفيات والحجج الشرعية.

والمشمش الحموي هو من أجود أنواع المشمش لما يتميَّز به من قوامه اللَّحمي، وطعمه المميَّز، الذي لا يدانيه أيُّ نوع من الأنواع المعروفة في لذته أو شكله الجذاب، يقول العلامة الشاعر تقي الدين أبي بكر ابن حجة الحموي (ت837هـ) في المفاضلة بين المشمش الحموي والدمشقي (3):

قالَ سُلطانِي حَماة عِنْدَما ... أجْلَسُوهُ مذْ أَتاهُم في الصُّدورِ
مُشمشُ الشَّام يقوي قَلبَه ... يوم نقعٍ فهو قد أضحَى وَزيري

وفي ذات المعنى يقول العلامة محمد كرد علي (ت 1293هـ) في "خطط الشام" في وصف انتشار المشمش الحموي وتمايزه عن غيره في الغوطة الشامية (4):

"أما الحموي فلا يزيد على خمسة في المائة. ويشبه المشمش السندياني، الحموي بشكل ثماره وشتان بين الثمرتين في اللذة لأن السندياني هو تقليد الحموي كما يقول الدمشقيون".

وقد تتبع أهل بلاد الشام قديماً وحديثاً تاريخ نضوج المشمش الحموي بفارغ الصبر، وفي مثل هذا أورد العلامة شمس الدين محمد ابن طولون الدمشقي الصالحي (ت953هـ) أن القاعدة في سقوط المشمش أن يكون في السادس عشر من أيار فقال (5):

(وفي يوم الثلاثاء خامس عشره، وهو سادس عشر أيار، بيع المشمش الحموي الرطل بدرهم، وهذه قاعدة أن هذا المشمش يسقط في سادس عشر أيار).

ثم ذكر حادثة تساقط المشمش بسبب البرد في سنة (890هـ) فقال (6):

(وفي هذا اليوم، وهو سابع عشر أيار، جرى على ألسنة الناس أن المشمش الحموي يسقط من قبة شجره، وقد سبق أوانه بأيام مع برد هذه الأيام، فسبحان من هذا من بعض قدرته).

كما راقب المؤرخون أسعار المشمش الحموي وفرَّقوا بينها وبين باقي أصناف المشمش، وحددت عن كل رطل بدرهم فيما يباع غيره من الأصناف بثلاثة أرباع، يقول ابن طولون (7):

(وفي يوم الاثنين حادي عشره، نودي بدمشق على المشمش الحموي، كل رطل بدرهم، وما دونه بثلاثة أرباع).

لكن أسعار المشمش الحموي ارتفعت فيما بعد، وأصبحت ضعف سعر باقي الأصناف رغم توافره، فقد أورد المؤرخ شهاب الدين أحمد البديري الحلاق (ت بعد 1175هـ) ذلك في "حوادث دمشق اليومية" (8):

(ورطل المشمش الحموي بستَّة مصاري مع أنه مقبلٌ كثير، والمشمش البلدي بثلاثة مصاري ونصف مع إقباله).

وكان للمشمش الحموي قديماً صِيتٌ ذَائع، حتى أصبح من هدايا الأكابر والأعيان والنواب والأمراء، فهذا نائب الشام يكتب إلى الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر الثاني الأيوبي صاحب حماة (ت692هـ) شاكراً له هديته وقد أرسل له مشمشا حموياً قائلا في وصف حبات المشمش الحموي وجمالها ولذتها (9):

(لا زال إحسانه كالعلم المشهور، وجوده المنظوم يهدي من الثمرات ما هو كاللؤلؤ المنثور، وبره يتحف بما هو كالشهد في الطعم واللون، وكالنجم في الشكل والنور...)

وفي ووصول هدايا الفواكه الحموية وعلى رأسها المشمش قال الشيخ الشاعر جمال الدين محمد ابن نباته الجذامي المصري (ت768هـ) (10):

(جواب وصول مشمش لؤلؤيّ ودغميشيّ من حماة...)

والحموية يستحضرون المشمش في الشراب وتحضير الحلويات مثل "قمر الدين" وبعض الأشربة النافعة، بل ويستلهمون الألقاب منه، وقد عرف في حماة من تلقب بــ "المشمش" و"مشيمش" بسبب حمرة شابت وجنتيه.

أما عبارة "آخر أيامك يا مشمش!" النداء الذي أطلقة بائع على عربة يبيع المشمش قاصداً به الرئيس السوري الحموي أديب الشيشكلي، فقد اعتبر تعدياً على مهابة الحموية والرئيس المنتمي لمدينة المشمش، وكان سبباً لاعتقال البائع من قبل عناصر المكتب الثاني.

وأجمل ما أختم به صورة بيانية رائعة تفتق بها الإمام الفاضل نجم الدين أبو محمد التنوخي البلعلبكي (ت731 هـ) في وصف المشمش الحموي (11):

أنكر العاشقون صفرة لوني ... بعدما كان كالزبرجد أخضر
ما دروا أنني عشقت فلَوْني ... اكتسى صفرة وقلبي تكسّر

المراجع

(1) تكملة المعاجم العربية لرينهارت بيتر آن دوزي ترجمه النعيمي والخياط (10/71).

(2) رحلة ابن بطوطة، طبعة الأكاديمية المغربية (1/267)، طبعة الشرق العربي (1/49).

(3) خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي (2/65).

(4) خطط الشام للعلامة محمد كرد علي (4/183).

(5) مفاكهة الخلان في حوادث الزمان لابن طولون الصالحي الدمشقي (1/265).

(6) مفاكهة الخلان في حوادث الزمان لابن طولون الصالحي الدمشقي (1/59).

(7) مفاكهة الخلان في حوادث الزمان لابن طولون الصالحي الدمشقي (1/364).

(8) حوادث دمشق اليومية للبديري الحلاق ص46.

(9) مسالك الأبصار في ممالك الأبصار لشهاب الدين العمري (12/484).

(10) صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي (9/120).

(11) أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (5/532).