لا تزاحمنا في المكان

حين يتحول سؤال الانتماء من فكرةٍ عابرة… إلى جرحٍ قديم توقظه كلمة واحدة.

قصص وجدانية

لا تزاحمنا في المكان
بقلم : هلا الخباز

وكانت أولى الكلمات.. لا تزاحمنا في المكان

قبل أن أعود إلى طفلةٍ كانت تتعثر بأسئلة الهوية والانتماء، دعوني أقفز سنوات طويلة إلى الأمام.

إلى تلك المرحلة التي ظننت فيها أنني تجاوزت كل ذلك.

كنت أزرع أحلامي بصبر، وأبني خبراتي عامًا بعد عام. أستيقظ كل صباح وأنا ممتنة لما وصلت إليه، أدخل إلى مقر عملي بثقة من يعرف طريقه جيدًا، أناقش وأقترح وأعترض وأحلم، وأتحرك في المكان بعفوية كاملة، كأنني جزء أصيل من نسيجه.

لم أكن أفكر كثيرًا في مسألة الانتماء.. كنت مشغولة بالحياة نفسها.

فالإنجاز يمتلك قدرة غريبة على إسكات الأسئلة المؤجلة. وحين تكون منهمكًا في البناء، لا تجد وقتًا كافيًا لتسأل نفسك إن كنت تنتمي إلى الأرض التي تبني فوقها أحلامك أم لا، إن كنت تزرع في أرضك أم لا.. فكل ما يهمك أن يكبر شجرك وأن تحصد ثماره.

لكن بعض الكلمات تملك قدرة عجيبة على إيقاظ أكثر الجراح هدوءً، وأعمقها نومًا.

جاءت من شخص واحد، شخص لا يمثل أحدًا سوى نفسه، قالها ببساطة جارحة:

"لا تحلمي كثيرًا... مهما ارتفعتِ لن تصلي إلى المكان الذي تريدينه، فأنتِ لستِ من هنا."

ولم تكن تلك الجملة هي المؤلمة بحد ذاتها، بل ما حملته خلفها من معنى قديم أعرفه جيدًا، ذلك المعنى الذي يلاحق أبناء الاغتراب طويلًا، أنك مهما أحببت المكان، ومهما عاشرت أهله، ومهما تشبعت بذكرياته، سيبقى هناك من يراك عابرًا.. ضيفًا طويل الإقامة.. شخصًا عليه أن يبرر وجوده أكثر من الآخرين. وأن يثبت حبه وولاءه دومًا وبشتى الوسائل والطرق.

ولأن الكلمات لا تأتي فرادى، تبعتها عبارة أخرى كانت أكثر قسوة:

"لا تزاحمنا في المكان."

كأن المكان ملكية خاصة. كأن المحبة تُوزع وفق الوثائق الرسمية.

والحقيقة أنني، وحتى أكون منصفة، سمعت خلال حياتي آلاف المرات العكس تمامًا. سمعت أشخاصًا احتضنوني بمحبة صادقة، وقالوا لي:

"أنتِ منا، بنيتنا، هذا وطنك."

لكن الإنسان كائن عجيب.

قد تعجز مئة وردة عن محو أثر شوكة واحدة.

ولعل هذا ما تؤكده دراسات علم النفس الاجتماعي التي تشير إلى أن التجارب السلبية المرتبطة بالرفض أو الإقصاء تترك أثرًا نفسيًا أعمق من التجارب الإيجابية المماثلة، لأن الدماغ البشري مهيأ بيولوجيًا للتعامل مع التهديدات بوصفها أكثر أهمية من الطمأنينة.

لهذا لم تكن الكلمة مجرد كلمة، كانت يدًا خفية هزّت شجرة كاملة من الداخل، وأعادت إليّ أسئلة كنت أظن أنني تجاوزتها منذ زمن.

من أنا؟ وأين يجب أن أمد جذوري؟ وهل يستطيع الإنسان أن ينتمي حقًا إلى مكان لم يولد فيه؟ أم أن بعض الأبواب تبقى مواربة مهما طال البقاء؟

في تلك الفترة فقدت جزءًا من شغفي.. لا لأنني توقفت عن حب المكان، بل لأنني تعبت من محاولة تفسير هذا الحب. فقررت أن أسافر، ليس بحثًا عن فرصة جديدة، ولا عن حياة مختلفة.. بل بحثًا عن نفسي. كنت أظن أن المسافة قد تمنحني إجابة، أن المدن الجديدة ربما تستطيع أن تخبرني إلى أين أنتمي.

لكنني كنت أعرف في أعماقي أنني سأحمل السؤال معي أينما ذهبت.. فمشكلة الإنسان ليست دائمًا في المكان الذي يعيش فيه، بل في المكان الذي يسكن داخله. وسافرت.

وحملت حقائبي وأحلامي وأسئلتي. واكتشفت شيئًا لم أكن أتوقعه.

أن الغربة ليست دائمًا أن تكون بعيدًا عن وطنك. أحيانًا تكون الغربة أن تحاول إقناع نفسك بأنك تستطيع العيش بعيدًا عما تحب.

في تلك الفترة كانت أغنية كارول سماحة "وحشاني الدنيا ببلدي" ترافقني كثيرًا.. وكانت تترك في صدري غصة لا أفهمها.

فأنا لم أكن أفتقد مدينة فقط. كنت أفتقد شعورًا كاملًا. أفتقد الوجوه التي شهدت تحولات عمري. والأماكن التي تركت فيها نسخًا متعددة من نفسي.

أو كما قالت أحلام مستغانمي:

"الأماكن لا تغادرنا حين نغادرها، بل تحمل جزءًا منا وتترك جزءًا منها فينا."

وكما كتب أمين معلوف:

"إن الهوية ليست بطاقة تعريف، بل هي حصيلة كل ما نعيشه ونحبه ونخسره ونحمله معنا عبر الزمن."

فالإنسان لا يُختصر في أصل واحد. ولا في جواز سفر واحد. ولا في مدينة واحدة.

نحن أبناء كل الأماكن التي تركت أثرها فينا. وأبناء كل الذكريات التي ساهمت في تشكيلنا. وبعد أشهر عدت.

عدت بعدما اقتنعت أن تصرفًا سيئًا من شخص واحد، أو منشورات غاضبة يكتبها مجهولون على منصات التواصل، لا يجب أن تسلبني حق الشعور بالانتماء.

عدت لأكمل الزرع. لا لأثبت شيئًا لأحد. ولا لأنتزع اعترافًا من أحد.

بل لأنني أدركت أخيرًا أن الانتماء الحقيقي لا يمنحه الآخرون، ولا يستطيع الآخرون نزعه.

وعندما سمعت الأغنية ذاتها بعد عودتي، لم أشعر بتلك الغصة القديمة.

لم أشعر بشيء على الإطلاق، وربما كان ذلك أجمل ما شعرت به.

لأنني فهمت أخيرًا أنني لم أكن أبحث عن وطنٍ ضائع. كنت فقط أبحث عن سلامي معه.

وفهمت أن بعضنا يولد حاملًا أكثر من هوية، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من حكاية.

وأن هذا ليس نقصًا كما يظن البعض. بل ثراءٌ إنساني نادر.

"فالأشجار العظيمة ليست تلك التي تمتلك جذرًا واحدًا.. بل تلك التي تعلمت كيف تتشبث بالحياة، مهما تعددت الجهات التي جاءت منها الريح."

ولهذا، عندما يقول أحدهم اليوم:

"لا تزاحمنا في المكان"

أبتسم بهدوء. لأنني أدركت متأخرة أن المكان الحقيقي لم يكن يومًا قطعة أرض.. بل ذلك الركن الآمن الذي نصنعه داخل قلوبنا، ثم نسميه وطنًا.