لا يُلام السوريون على ما يعيشونه اليوم من تردد وحذر وشك.
فمن عاش عقوداً طويلة وهو يتعلم أن يخفض صوته، وأن يراقب كلماته، وأن يشك في كل شيء، لا يستطيع أن يتحول فجأة إلى إنسان مفعم بالثقة واليقين.
ومن عاش سنوات الحرب والتهجير والانقسام والخسارات المتراكمة لا يمكن أن يُطلب منه أن يصدق أي تغيير بسهولة.
لقد أمضت أجيال كاملة من السوريين أكثر من نصف قرن وهي تتربى على فكرة واحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة:
لا تثق كثيراً. لا تفرح كثيراً. لا تحلم كثيراً. لا تتعلق كثيراً بالمستقبل.
كانت الأحلام الكبيرة تبدو نوعاً من السذاجة، وكانت الطموحات الواسعة تبدو ترفاً لا يليق بواقع مليء بالقيود والخوف والانتظار.
ومع مرور السنوات لم يعد الخوف مجرد شعور عابر، بل تحول إلى جزء من الثقافة اليومية. دخل إلى البيوت والمدارس وأماكن العمل والأحاديث العائلية.
أصبح كثير من الناس يتوقعون الأسوأ قبل الأفضل، ويتعاملون مع الأمل بحذر أكثر مما يتعاملون مع الخوف نفسه.
حتى عندما بدأت تتغير بعض الوقائع على الأرض، بقيت النفوس مترددة في تصديق ما تراه.
"أخطر ما يفعله الخوف بالإنسان… أنه يجعله يشك حتى بالأمل."
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي حدث لسوريا، بل ما الذي حدث للسوريين أنفسهم؟
فالحروب لا تدمر المدن فقط، وإنما تدمر أيضاً العلاقة الطبيعية بين الإنسان والمستقبل.
وحين تمتد الأزمات سنوات طويلة يصبح الإنسان مشغولاً بالنجاة أكثر من البناء، وبالعبور أكثر من الوصول، وباليوم أكثر من الغد.
ومع الوقت يعتاد العقل على إدارة الأزمات حتى ينسى كيف يصنع الأحلام.
لهذا لا يبدو غريباً أن نرى اليوم كثيراً من السوريين يقفون أمام أي فرصة أو فكرة أو مشروع أو تغيير بشيء من التردد.
ليس لأنهم لا يريدون الخير، وليس لأنهم لا يحبون بلادهم، وإنما لأن الخذلان المتكرر ترك داخلهم أثراً عميقاً.
فكل جيل تقريباً حمل أملاً كبيراً ثم رأى جزءاً منه يتبدد أمام عينيه. لكن هناك حقيقة يجب أن نتوقف عندها طويلاً.
الأمم لا تنهض عندما تنتهي أزماتها فقط، وإنما تنهض عندما تستعيد قدرتها على تخيل مستقبل مختلف.
فالنهضة تبدأ في المخيلة قبل أن تبدأ في الشوارع. تبدأ كفكرة قبل أن تصبح مشروعاً. تبدأ كحلم قبل أن تتحول إلى واقع.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام السوريين اليوم ليس اقتصادياً فقط، وليس سياسياً فقط، وليس خدمياً فقط.
التحدي الأعمق هو نفسي وحضاري. كيف يمكن لشعب عاش كل هذا الألم أن يستعيد ثقته بالمستقبل؟ وكيف يمكن لمجتمع كامل أن ينتقل من عقلية النجاة إلى عقلية البناء؟
ربما نحتاج لأول مرة منذ سنوات طويلة إلى قاعدة معنوية مشتركة تجمع السوريين. ليس المطلوب أن يتفق الجميع على كل شيء، فهذا مستحيل في أي بلد في العالم. وليس المطلوب أن يذوب الاختلاف أو تختفي الآراء المتعددة. التنوع كان دائماً جزءاً من الشخصية السورية. لكن ما نحتاجه فعلاً هو مجموعة من القيم الكبرى التي يمكن أن تصبح أرضية مشتركة للجميع:
احترام العلم، تقدير العمل، الإيمان بالمبادرة، تشجيع النجاح، بناء المؤسسات، حماية الكرامة الإنسانية، وصناعة الفرص للأجيال القادمة.
لقد اعتاد السوريون خلال سنوات طويلة أن يجتمعوا حول المخاوف المشتركة. وربما حان الوقت ليجتمعوا حول الأهداف المشتركة.
"الأمم لا تُبنى على الخوف… بل على وجود حلم أكبر من الخوف."
فبالأمس لم يكن كثيرون يحلمون ببناء وطن مزدهر. كانوا يحلمون فقط بوجود وطن. لم يكن الحلم أن تصبح سوريا نموذجاً للتنمية أو الثقافة أو الاقتصاد أو الإبداع. كان الحلم أبسط بكثير:
أن تبقى البلاد موجودة، وأن يبقى الناس أحياء، وأن يأتي الغد بأقل قدر ممكن من الألم. أما اليوم، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، فقد أصبح من حق السوريين أن يسألوا أنفسهم سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا نريد أن نصنع؟ لا ماذا نريد أن نتجنب. وهذا التحول في حد ذاته حدث تاريخي. لأن الأمم العظيمة لا تُبنى على الخوف، بل على وجود هدف أكبر من الخوف. ولا تُبنى على ردود الأفعال، بل على امتلاك رؤية للمستقبل. ولا تُبنى فقط بإعادة إعمار الحجر، بل بإعادة إعمار المعنى.
لقد خسرت سوريا الكثير من أبنائها، والكثير من مدنها، والكثير من سنواتها. لكن أخطر ما خسرته خلال العقود الماضية ربما كان شيئاً آخر أقل وضوحاً وأكثر عمقاً: ثقة الإنسان السوري بحلمه.
واليوم، إذا كان هناك مشروع وطني حقيقي يجب أن يبدأ، فهو إعادة هذه الثقة. أن يتعلم الطفل السوري أن يحلم دون خوف. أن يصدق الشاب السوري أن جهده قد يصنع فرقاً. أن تؤمن العائلة السورية أن الغد قد يكون أفضل من الأمس. أن يعود الناس للحديث عن المشاريع أكثر من الأزمات، وعن الفرص أكثر من المخاطر، وعن المستقبل أكثر من الجراح.
ليس لأن الجراح انتهت، وإنما لأن الأمم التي تبقى أسيرة جراحها لا تستطيع أن تصنع تاريخاً جديداً.
بعد كل ما حدث، ربما يبدو الحلم فعلاً شجاعاً أكثر من أي وقت مضى.
وربما يكون أعظم انتصار يمكن أن يحققه السوريون اليوم أنهم عادوا يصدقون أن لهم مستقبلاً يستحق أن يُبنى.
فما بين الخذلان والضياع، وما بين ذاكرة مثقلة بالألم ومستقبل لم تتضح ملامحه بعد، تقف سوريا أمام فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً في حياة الشعوب.
فرصة أن تتصالح مع نفسها. وفرصة أن تستعيد ثقتها بنفسها. وفرصة أن تتذكر أن الحلم لم يكن يوماً رفاهية.
"بل كان دائماً الخطوة الأولى نحو كل شيء عظيم."