في زمنٍ كانت الطرق فيه محفوفة بالخوف، وفي أيامٍ سوداء لا تُنسى من أيام مجزرة حماة، وقعت هذه القصة التي ما زالت تُروى وكأنها حدثت بالأمس.
يروي جدي أحمد عزت كيلاني أنه خرج مع أبناء عمومته هربًا من الموت، يبحثون عن أي طريقٍ ينقذهم من مصيرٍ مجهول. كانت المدينة تختنق بالرعب، والناس يفرّون بلا وجهة واضحة، وكل خطوة قد تكون الأخيرة.
وبينما كانوا يشقّون طريقهم بين الخوف والترقب، وصلوا إلى مدرسة غرناطة.
هناك رأوا جنديًا يجلس عند الباب، يضع سلاحه على فخذيه، وأمامه تنكة حديد تتراقص فيها ألسنة النار. كان يتدفأ بصمت، وكأنه خارج ذلك المشهد المرعب الذي ابتلع المدينة.
توقفوا.
كان عليهم أن يختاروا.
إلى أين يذهبون؟
هل يسلكون طريق باب النهر باتجاه المدينة؟ أم يتجهون نحو الحاضر؟
لم يكن الأمر مجرد اختيار طريق…
بل اختيارًا بين الحياة والموت.
وبينما احتدم النقاش، دوّى صوتٌ مفاجئ وسط الصمت:
“هيه… هيه.”
التفت جدي نحو مصدر الصوت.
كان الجندي.
رفع يده وأشار باتجاه المقبرة، ثم قال بكلماتٍ قليلة:
“اذهب من هناك.”
ساد الصمت.
نظر جدي إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، وحاول أن يستوعب الأمر. ماذا يوجد خلف المقبرة؟
ثم تذكر…
خلفها مدخلٌ يؤدي إلى مدينة حماة.
ويقول جدي:
“والله ما رأيت وجه الرجل، حتى حسبت أنه ملاكٌ من عند الله يرشدنا إلى طريق النجاة.”
لكن القصة لم تنتهِ هنا.
بل هنا بدأت اللحظة الأصعب.
اعترض بعض من كانوا معه وقالوا:
“إن ذهبنا من هذا الطريق سنُقتل… أشعر أنها النهاية.”
كانت المخاوف منطقية، والقلوب ترتجف.
لكن جدي شعر بشيءٍ لا يستطيع تفسيره.
ثقةٌ غريبة.
طمأنينةٌ لا تشبه ما حولها.
فقال بحزم:
“سأسلك الطريق الذي أشار إليه.”
وفي تلك اللحظة…
انقسموا.
قسمٌ اختار طريقًا آخر.
وقسمٌ قرر أن يتبع تلك الإشارة الغامضة.
ومرت الأيام…
وانكشف المصير.
الذين ساروا في الاتجاه الآخر…
لم ينجُ منهم أحد.
أما الذين اتبعوا الإشارة…
فقد نجوا جميعًا بفضل الله.
وحتى اليوم يبقى السؤال حاضرًا:
هل كان ذلك مجرد جنديٍ عابرٍ صادفوه في طريق الهروب؟
أم كانت رحمةً من الله أرسلها لهم في اللحظة التي أحاط بهم فيها الخوف من كل جانب؟
مهما كانت الإجابة، تبقى هذه الحكاية شاهدًا على حقيقةٍ عظيمة:
أن الله إذا أراد لعباده النجاة، هيّأ لهم أسبابها من حيث لا يحتسبون، وأن نور الفرج قد يظهر في أحلك اللحظات، على هيئة كلمةٍ عابرة، أو إشارةٍ صغيرة… تغيّر مصير حياةٍ كاملة.
