حمص.. من إيميسيا القديمة إلى الثورة السورية
حمص ليست مجرد مدينة على خريطة سوريا، وليست مجرد اسم ارتبط في السنوات الأخيرة بالحرب والحصار والثورة، بل هي مدينة تحمل في ذاكرتها آلاف السنين من التاريخ، مدينة عبرت عليها الحضارات والإمبراطوريات، واحتفظت في حجارتها وشوارعها وأسواقها ومعالمها بقصص أجيال متعاقبة عاشت فيها وبنت هويتها وتركت آثارها للأجيال التي جاءت بعدها.

- المدينة
- حمص
- السنة
- 2026
- المدة
- 12:57
حمص ليست مجرد مدينة على خريطة سوريا، وليست مجرد اسم ارتبط في السنوات الأخيرة بالحرب والحصار والثورة، بل هي مدينة تحمل في ذاكرتها آلاف السنين من التاريخ، مدينة عبرت عليها الحضارات والإمبراطوريات، واحتفظت في حجارتها وشوارعها وأسواقها ومعالمها بقصص أجيال متعاقبة عاشت فيها وبنت هويتها وتركت آثارها للأجيال التي جاءت بعدها.
من إيميسيا القديمة إلى حمص التي نعرفها اليوم، تمتد حكاية مدينة عريقة شهدت تحولات كبرى في تاريخ المنطقة، وعاشت عصورًا متعاقبة من الحضارات الآرامية والآشورية والبابلية والفارسية ثم العصرين اليوناني والروماني، قبل أن تدخل مراحل جديدة مع الحضارة الإسلامية وتواصل حضورها في قلب بلاد الشام. وفي كل مرحلة ترك التاريخ أثره في المدينة، من أبوابها وأسوارها وأسواقها القديمة إلى مساجدها وكنائسها ومعالمها التي ما زالت تختزن ذاكرة المكان.
في قلب حمص تقف الساعة شاهدًا على زمن المدينة الحديث، ويقف جامع خالد بن الوليد والجامع النوري وكنائسها التاريخية لتروي جانبًا من التنوع الديني والثقافي الذي عاشته المدينة عبر قرون طويلة. هنا لا تبدو الآثار مجرد أبنية قديمة، بل تتحول إلى صفحات مفتوحة من تاريخ حمص، حيث تتجاور الحضارات والأديان والذكريات في مدينة واحدة.
لكن حمص دخلت فصلًا مختلفًا تمامًا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عندما خرجت أعداد كبيرة من أبنائها مطالبة بالحرية، وتحولت المدينة تدريجيًا إلى واحدة من أبرز ساحات الأحداث في سوريا. أصبحت ساعة حمص رمزًا للاعتصامات، ثم شهدت المدينة تصاعدًا للعنف والقصف والمعارك، وتحولت أحياء بأكملها إلى ساحات مواجهة، فيما دفع المدنيون ثمنًا قاسيًا من حياتهم وبيوتهم وأمنهم ومستقبلهم.
ثم جاء الحصار، ليصبح واحدًا من أكثر الفصول قسوة في تاريخ المدينة الحديث. أحياء محاصرة، نقص في الغذاء والدواء والمياه والكهرباء، وخوف دائم من القصف، بينما عاش آلاف المدنيين في عزلة امتدت لأشهر طويلة. ومع استمرار الحصار، تحولت حمص من مجرد مدينة تعيش الحرب إلى رمز لمعاناة المدنيين السوريين، وأصبح اسمها حاضرًا في كل حديث عن الثورة والحصار والتهجير.
وفي خضم تلك السنوات ظهر عبد الباسط الساروت، حارس مرمى نادي الكرامة الذي تحول إلى أحد أبرز الأصوات المرتبطة بثورة حمص، فغنى للمدينة وللحرية وشارك في أحداثها قبل أن ينتقل لاحقًا إلى القتال ويفقد حياته. بقي صوته وأناشيده جزءًا من الذاكرة السورية، وبقيت قصته مرتبطة بمدينة كانت تبحث عن طريقها وسط واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ سوريا الحديث.
هذه ليست حكاية حرب فقط، وليست حكاية ثورة فقط، وليست رحلة في التاريخ القديم وحده. إنها حكاية مدينة كاملة، مدينة كان لها بيت وسوق وجيران وذكريات، ثم وجدت نفسها في قلب أحداث غيّرت شكلها وغيّرت حياة أهلها. مدينة يحمل اسمها اليوم أكثر من معنى، ففي حروف حمص نفسها يمكن أن نجد الحكاية التي عاشتها المدينة بين الحرية والحرب، وبين الحياة والموت، وبين الذاكرة والنسيان.
في هذا الفيلم الوثائقي نعود إلى حمص قبل الحرب، ونستكشف تاريخها الممتد لآلاف السنين، ونتجول بين معالمها وأسواقها ومساجدها وكنائسها، ثم نصل إلى عام 2011 لنرى كيف أصبحت المدينة واحدة من أهم رموز الثورة السورية، وكيف عاشت سنوات القصف والمعارك والحصار والتهجير، وكيف بقيت ذاكرتها حاضرة رغم كل ما مرت به.
حمص هي حكاية التاريخ حين يسكن في مدينة، وحكاية الإنسان حين تتحول مدينته إلى جزء من هويته وذاكرته. هي قصة حضارات مرت من هنا، وأجيال ولدت وعاشت وماتت هنا، وبيوت حملت ضحكات أهلها ثم حملت آثار الحرب، وشوارع شهدت أفراح المدينة وأحزانها، وساحات تحولت إلى رموز، وأسماء أصبحت جزءًا من ذاكرة السوريين.
من حمص القديمة إلى ساعة حمص، ومن الجامع والكنيسة والسوق إلى الأحياء التي عاشت الحصار، ومن تاريخ إيميسيا والحضارات القديمة إلى سنوات الثورة السورية، نحاول أن نروي قصة مدينة لا يمكن اختصارها في صورة واحدة ولا في مرحلة واحدة.
هذه هي حمص، المدينة التي حملت آلاف السنين على حجارتها، وحملت سنوات الحرب على ذاكرتها، وبقي اسمها حاضرًا في وجدان أهلها، لأنها في النهاية لم تكن يومًا مجرد مكان، بل كانت بيتًا لأناس أحبوا مدينتهم، وعاشوا فيها، وفقدوا فيها أحبة، ثم حملوا صورتها معهم أينما ذهبوا.